الجمعة، 9 مارس 2012

شرح الأربعين النووية الحديث الأول

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


شرح الأربعين النووية




الدرس الأول :



تقديم للكتاب





البدء في
شرح الحديث الأول





بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، نسأل الله عز وجل أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علمًا، إنه سميعٌ قريب مجيب.





المقدمة :



ما المراد بالحديث، وما المراد بالسنة النبوية،

وهل السنة لا تطلق إلا على ما يُنسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
؟









الحديث أو السنة عند المحدثين: هي ما نُسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلْقية أو خُلقية،
وما نُسب إلى غيره أي إلى الصحابة أو إلى التابعين يدخل عند جمهور المحدثين في عموم الخبر أو الأثر.




-القول، وهذا أكثر الأحاديث، أكثر السنة هي من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، وهي كثيرة منها (إنما الأعمال بالنيات)، (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ)، آلاف مؤلفة من الأحاديث التي تُسمى الأحاديث القولية، أي تلفظ بها النبي صلى الله عليه وسلم.




·أو فعل، الفعل هو أفعال النبي صلى الله عليه وسلم، مثل ما نقل الصحابة في وضوئه عليه الصلاة والسلام، في صلاته، في صيامه، في حجه، في تعامله مع الآخرين، في بيعه وشرائه، فعندما يقول الراوي أو الصحابي كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل كذا وكان كذا، فهذه هي الأفعال.


· أو تقرير، أي أن يقر النبي صلى الله عليه وسلم فعلا، سواءً أقره بقوله، أم لم يقره بقوله، وإنما أقر هذا الفعل، والأحاديث الفعلية والتقريرية أقل من الأحاديث القولية.



·
أو نُسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم





o من صفات خلقية، كان كريمًا، كان جوادًا، كان متواضعًا، عليه الصلاة والسلام.




o أو خلقية، كان طويلا، كان أبيضًا مشروبًا بحمرة، وكان إذا مشى كأنه منحدرٌ من صبب.






وكأني بقائلٍ يقول ما لنا وللصفات الخلقية، ولكن قد يُقتبس منها سنة فعلية، مثل (كان إذا مشى ينحدر من صبب)، فنأخذ صفة المشي للرجل المعتبر، فليست كمشية الرجل الهزيل إذا مشى، بل يمشي منحدرٌ من صبب، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، إذًا أخذنا من الصفات الخلقية بعض السنن التي نستفيدها من حياة النبي صلى الله عليه وسلم.



هل بينهما ترادف؟ هل بينهما تطابق ؟






لفظ السنة والحديث مترادفان، فالسنة تساوي الحديث عند المحدثين، لكن السنة تختلف عند الفقهاء، وتختلف عند أهل أصول الفقه، قد ترد عند علماء العقيدة، وكل يستعملها بحسب الاصطلاح الذي يتعامل معه،




فالسنة عند الفقهاء لا ينظرون إليها على أنها أُثرت عن النبي صلى الله عليه وسلم، إنما ينظرون إليها باعتبار أنها حكم تكليفي، فالأحكام التكليفية إما واجب، وإما سنة أي مستحب، أو مباح أو مكروه، أو محرم.





علماء الأصول قريب من المحدثين، يأخذونها باعتبار أنها مصدر تشريع من مصادر التشريع الإسلامي، فعندما نقول المصدر، فالأساس هو الكتاب والسنة، ولذلك لا يدخلون معها الصفات، إنما يقولون ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير مما يصلح أن يكون دليلا شرعيًّا، لأنهم نظروا إلى أن السنة مصدرًا من مصارد التشريع.



علماء العقيدة إذا قالوا هذا العمل سنة
فإنهم يقصدون أن هذا العمل دل عليه الدليل من القرآن والسنة، فيأخذه علماء العقيدة باعتبار أن السنه البدعة، فليست السنة مجرد ما أُثر عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثلما قال النبي صلى الله عليه وسلم (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ) حتى قال (وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة)، فهنا البدعة مقابل ما قاله في أول الحديث، أي السنة.



نحن نتحدث هنا باعتبار أنها منسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يعني نأخذها باعتبار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا القول، فعل هذا الفعل، فنستنبط منه ما يدل عليه هذا القول، وما يدل عليه هذا الفعل.
 الحديث الأول
 الحديث الأول
لا عمل إلا بنية





عن أمـيـر المؤمنـين أبي حـفص عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عـليه وسلم يـقـول : ( إنـما الأعـمـال بالنيات، وإنـمـا لكـل امـرئ ما نـوى، فمن كـانت هجرته إلى الله ورسولـه، فهجرتـه إلى الله ورسـوله، ومن كانت هجرته لـدنيا يصـيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه ).


رواه إمام المحدثين: أبـو عـبـد الله محمد بن إسماعـيل ابن إبراهيم بن المغيرة بن بـَرْدِزْبَه البخاري، وأبو الحسـيـن مسلم ابن الحجاج بن مـسلم القـشـيري الـنيسـابـوري في صحيحيهما اللذين هما أصح الكتب المصنفة.

تخريج الحديث :

هذا الحديث كما ذكر الإمام النووي بالنسبة لتخريجه رواه الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، ورواه الإمام مسلم، وما رواه البخاري ومسلم فهو صحيح، أجمعت الأمة على قبول كتاب البخاري وكتاب الإمام مسلم، والخلاف عند الأئمة ليس في الصحة، وإنما الخلاف في أيهما يُقدم، ففي السابق عند أهل الشرق يقدم البخاري، وعند المغاربة يٌقدم مسلم، ولذلك الناظم يقول:


تخاصم قومٌ في البخاري ومسلمِ
فقلت لقد فاق البخاري صحةً



وقالوا أي ذين تقدمو
كما فاق في حسن الصناعة مسلمُ

الإمام البخاري فاق الإمام مسلم من حيث قوة الحديث وصحته، أما الإمام مسلم فالسبك والترتيب والتنظيم في التأليف فاق الإمام البخاري.المشارقة نظروا في صحة الحديث، وقوة الحديث، والمغاربة نظروا إلى التنظيم والترتيب؛ ولذلك اعتنوا بصحيح مسلم، وكثير من شراح مسلم هم من المغاربة، وأيضًا شرحه المشارقة. فعلى أي حال كلا الكتابين هما صحيحان.


والأمة تلقت هذين الكتابين بالقبول، فهما أصح الكتب بعد كتاب الله عزّ وجلّ. هل يعني أنهما ذكرا جميع الصحيح؟ أم هناك أحاديث صحيحة لم يذكرها؟ نعم، هناك أحاديث كثيرة لم يذكرها البخاري، ولم يذكرها مسلم، لذلك الإمام البخاري والإمام مسلم لم يشترطا أن يحصرا جميع الأحاديث، إنما وضعوا شروطًا لأحاديثهم، فما وافق هذه الشروط من الأحاديث وضعوه في كتبهم. ونعود ونقول ما رواه البخاري ومسلم فهو صحيحٌ لتلقي الأمة لهذين الكتابين القبول.





ألفاظ الحديث :



إنما: أداة حصر تحصر شيء بشيء، ولذلك حُصرت الأعمال هنا بالنية كما سيأتي.


الأعمال: هل هي جميع الأعمال، أم هي خاصة بالأعمال المشروعة التي يُتقرب بها إلى الله؟


قولان لأهل العلم، والصحيح أنها عامة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال "الأعمال بالنيات"، فاستغرقت "أل" هنا جميع الأعمال، والمراد بالأعمال هنا جزاؤهاصحةً أو فسادًا، ليشمل الأعمال الجائزة وغير الجائزة.


بالنيات :


· النية في اللغة : هي القصد، "نويت أن أسافر إلى مكة" يعني "قصدت السفر إلى مكة"، "نويت أن أصوم" أي "قصدت الصيام".


· أما من حيث الاصطلاح الشرعي فالنية يُراد بها أحد معنيين :


o تمييز العمل بعضه عن بعض، أو تمييز العبادة بعضها عن بعض، مثل الصلاة، كأن أنوي أن أصلي الظهر، أو أن أصلي العصر، إذًا ميزت صلاة الظهر عن صلاة العصر بالنية، كلاهما أربع ركعات، والصفة واحدة.



o تمييز المقصود بالعمل هل هو لله أو لغيره أو لله ولغيره، فمن الناس من يصلي الصلاة طاعة لله عزّ وجلّ، ومنهم من يصلى مجاملة لصديقه، ومنهم كالأطفال يصلون خوفًا من أبائهم. كما في هذا الحديث.


وإنما لكل امرئٍ ما نوى :أن جزاء كل إنسان بحسب نيته.




فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله :

قد يُفهم الكلام على غير ظاهره، لذلك دائمًا النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على ضرب الأمثلة، وقد مثل هنا بعملٍ قائمٍ في وقته، وهذا من بلاغة النبي صلى الله عليه وسلم.



· الهجرة لغةً: هي الانتقال أو الترك.


· الهجرة تدرجت في المعنى الاصطلاحي على ثلاث مراحل:

o المرحلة الأولى: هي الانتقال من مكة إلى المدينة، هذا المعنى انتهى بفتح مكة، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم (لا هجرة بعد الفتح).


o المرحلة الثانية: الانتقال من بلد الشرك أو الكفر إلى بلد الإسلام، وهذا باقي إذا وُجد سببه، يعني الهجرة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام ما نقول واجبة باقية على إطلاقها،

لماذا؟

لأنه قد لا يستطيع أن يهاجر، أو يقيم شعائر دينه في بلده، يقول أنا أستطيع أن أقيم شعائري ولو كان بلد كفر، أستطيع أن أقيم شعائر الدين، أستطيع أن أدعو في بلدي، أستطيع أن أمارس جميع متطلبات حياتي، لا خوف على ديني ولا على أولادي.


o المرحلة الثالثة: هي الانتقال من الذنوب والعاصي إلى الطاعات، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه).
متى تكون الهجرة واجبة ؟


بشرطين :


· إذا خاف المسلم على دينه، أي أن يخاف ألا يقيم شعائر دينه، فلا يستطيع أن يصلي، أو أن يصوم،أو أن يزكي.


· أن يستطيع الهجرة، أما إذا لم يستطع فلا تكليف بما لا يُستطاع، لا يُكلف الله نفسًا إلا وُسعها، الله سبحانه وتعالى لا يُحاسب إلا على المقدور.


من كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، العادة في الكلام العربي أن الشرط غير الجزاء، من فعل هذا الفعل أكافئه بهذه المكافأة، لا أقول من دخل هذا المكان فقد دخل هذا المكان،


فلماذا كان هنا؟


الجزاء قد يكون ظاهرًا في اللفظ، وقد يكون في المعنى، وهنا هو في المعنى، (من كانت هجرته إلى الله ورسوله) الشرط واضح، الجزاء ثوابه على الله ورسوله، إذًا معنى (فهجرته إلى الله ورسوله) أي ثوابه وجزاؤه على الله ورسوله.


ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أي للحصول على المال.


أو امرأةٍ ينكحها، أي أنه سيهاجر ليتزوج فلانة من الناس،


فهجرته إلى ما هاجر إليه، أي فجزاؤه أن يُحصِّل ما أراد بهذه الهجرة.


سبب ورود الحديث
:


وقد ذكر البعض أن هذا الحديث له سبب، وهو ما رواه بعض أهل العلم أن رجلا من الأعراب هاجر مع النبي صلى الله عليه وسلم، ليخطب امرأةً ويريد أن يتزوج بها، وهي أم قيس، فقيل له مهاجر أم قيس، ولذلك ذكر النبي صلى الله عليه وسلم (فمن كـانت هجرته إلى الله ورسولـه؛ فهجرتـه إلى الله ورسـوله، ومن كانت هجرته لـدنيا يصـيبها أو امرأة ينكحها؛ فهجرته إلى ما هاجر إليه)، فقيل إن سبب هذا الحديث هو مهاجر أم قيس، أنه هاجر ليس من أجل الهجرة ذاتها، وإنما من أجل أن يتزوج أم قيس، لكن هذا لم يصح إسنادًا، كما ذكر الحافظ ابن رجب رحمه الله "تتبعته فلم أجد له أصلا".


أهمية الحديث:


هذا الحديث له أهمية كبرى، تكلم عنها علماء الإسلام وأئمة الدين كلامًا كثيرًا، من ذلك يقول الإمام الشافعي رحمه الله "هذا الحديث ثلث العلم، ويدخل في سبعين بابًا من أبواب الفقه"، والإمام أحمد بن حنبل يقول "أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث"، وذكر منها هذا الحديث، وحديث البدعة، وحديث (الحلال بين والحرام بين).


ومن أهمية هذا الحديث أن إمام المحدثين الإمام البخاري رحمه الله صدّر به كتابه، وجعله أول حديث، رغم أنه في الظاهر لا ينتمي إلى الباب المصدر، وهو باب بدء الوحي، وذكر حديث (
إنما الأعمال بالنيات )، دلالةً على أن هذا العلم، الذي هو علم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى نية، وأن كل عمل يحتاج إلى نية.


وقد تبع الإمام البخاري كثيرٌ من أهل العلم، ومنهم الإمام النووي رحمه الله، فقد صدر أيضًا هذه الأربعين بهذا الحديث العظيم، فهو في مقام المقدمة أو في مقام الحاجة، لبيان أن كل عمل لا يمكن أن يقوم إلا على نية صالحة، فيرجو هذا المؤلف كما يرجو المؤلف من كل قارئ أن تصلح نيته لهذا العمل.
مسائل الحديث:

المسألة الأولى :


رتب الرسول صلى الله عليه وسلم الأعمال على النية، فلا تصح إلا بنية، ولا تكون كاملةً إلا بينة، ولا تكون مقبولة عند الله إلا بنية، فيدل هذا الحديث على أهمية النية في دين الله عزّ وجلّ.


المسألة الثانية:


أن جزاء أعمال الإنسان بحسب نيته، فهذا الذي أتى إلى المسجد وصلى أو المرأة التي صلت في بيتها، إن كانت نيته طاعة لله عزّ وجلّ ورجاءً لثوابه سبحانه وتعالى، فهذا يحصل على جزاء نيته، والآخر صلى ليُقال مُصلي، فهذا جزاء أن يُقال مصلى، لا يُثاب في الآخرة لأنه نال جزاءه أن يُقال مُصلي، والآخر صلى مجاملة لصديقه، فصلى وجامل صديقه وانتهى الأمر على ذلك، وآخر يقرأ القرآن ويأم الناس، ويريد أن يستمتع الناس بقراءته ويخشعوا ويقصد بهذا أن يرشد الناس إلى الصلاة الصحيحة؟ فهذا نيته أن يُثاب على هذا العمل، وآخر صلى وقرأ وجمل صوته ليُقال قارئ، أو يُقال هذا صوته جميل وصوته رنان وصوته خاشع، يريد أن يستمع إلى هذا الكلام فقط، فهذا جزاؤه أن يُقال قارئٌ ما أحسن صوته... إلخ، فهل يُجازى عند الله تبارك وتعالى على هذه النية؟ لا يُجازى، إذًا المجازاة على العمل بحسب نية الإنسان، فالأعمال بنية صاحبها.


المسألة الثالثة :


تنبني على المسألة الثانية، وهي مسألة في غاية الأهمية، الأعمال أنواع، هناك أعمال يفعلها الإنسان، وهناك أعمال يتركها الإنسان، والأعمال التي يعملها الإنسان منها الواجب الذي يجب عليه أن يعمله، ومنها المباح، الأعمال الواجبة عرفنا أنه يجب أن يعملها ولا يُثاب عليها إلا إذا كانت نية صاحبها طاعةً لله عزّ وجلّ، أما الأعمال المباحة وهي كثيرة، مثل النوم والأكل والشرب والسمر مع الأهل والسمر مع الأصدقاء والزملاء والسفر، حتى السفر للسياحة، كل هذه أعمال مباحة، هل هذه الأعمال يؤجر عليها الإنسان أو لا يؤجر؟ قد يؤجر عليها الإنسان بحسب نيته، وقد لا يؤجر ولا يعاقب بحسب نيته، وقد يُعاقب عليها بحسب نيته.


هل نحن مُتعبدون بالسنن الجبلية؟



هذا فيه تفصيل، السنن الجبلية يعني الطبيعية الخلقية للرسول صلى الله عليه وسلم فيها تفصيل، إذا قرنها قول أو فعل فهذا يبقى سنة ومُتعبد بها ومن فعلها فقد أُجر، وبحسب القول، فقد يكون واهمًا، مثلما حج النبي صلى الله عليه وسلم فقال ( خذوا عني مناسككم )، فهذا يبقى واجب، أما إذا قصد بالسنن الطبيعية الخلقية في خلقه، كأن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أطال الشعر، هذا أمر عادة، ما صاحبه قول، ما قال: من أطال شعره فقد كذا، ولم يصاحبه إنكار على من حلق رأسه، في الوقت نفسه دل الدليل على أنه يجوز حلقه، كما في الحج، وكل هذا أعطانا أن إطالته عادة كانت موجودة في ذلك الوقت، لا يعني أن يبقى سنة.


قد يقول قائل أنا أطيله لأجل النبي صلى الله عليه وسلم، نقول نرجو أن تؤجر على نيتك، لكن لا يُتعبد الناس بهذا، ومثله لبس خاتم الفضة للرجال، النبي صلى الله عليه وسلم لبس الخاتم، لكن من كان في مقام النبي صلى الله عليه وسلم يلبس الخاتم، ما نقول نتعبد الجميع بلبس الخاتم، هذه عادة، فلو قارنها إنكارٌ لمن لم يلبس لأصبحت سنة، فلا نُتعبد بهذا.


كيف نرد على من ينكر حجية النسة بالقرآن؟


هذا موضوع طويلٌ، ويحتاج إلى حلقة كبيرة وخاصة، لكن يكفي لمن ينكر حجية السنة أن يقرأ كتاب الله عزّ وجلّ :


﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾
[الحشر: 7] .


﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾ [النساء: 80] .


﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾
[النساء: 59] .

آيات كثيرة، أكثر من أن تُحصر في الأمر باتباع النبي صلى الله عليه وسلم،

﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [الأحزاب: 63]،


الذين يخالفون أمر من؟

أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فالذي ينكر حجية النبي صلى الله عليه وسلم إنكارًا كليًّا أو حتى إنكارًا جزئيًّا عليه خطرٌ كبير في دينه، لا يمكن أن يستقيم هذا الدين إلا بأن يمشي القرآن مع السنة والسنة مع القرآن، فهما صنوان لا ينفكان عن بعضهما.

هل هناك سبب بخلاف الاقتداء بكتب السنة جعل الإمام النووي يبتدئ كتابه بحديث النية؟


قلنا إن الإمام النووي جمع أحاديث كليات وقواعد الدين، وحديث
( إنما الأعمال بالنيات ) من أهم قواعد الدين، وعلماء الفقه كما سيأتينا استنبطوا قواعد شرعية من أعظم القواعد الشريعة، الأمور بمقاصدها، فقاعدة الأمور بمقاصدها مبنية على هذا الحديث.



هذا، والحمد لله رب العالمين.

و الى درس جديد بإذن الله
رد مع اقتباس
 

الأربعاء، 7 مارس 2012

الحلقة( 5 ) أهمية الحديث الموضوعي وأهداف البحث فيه

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



أهمية الحديث الموضوعي وأهداف البحث فيه


أولاً: أهمية الحديث الموضوعي:
هذا اللون من الدراسات الحديثية جد نافع, وخاصة في عصرنا الذي أفلست فيه الحضارات المادية, والمذاهب البشرية في حلّ مشكلات البشر وسد الفراغ الذي تعيشه معظم المجتمعات البشرية, لأنها ابتعدت عن هدي القرآن الكريم والسنة النبوية  وعدالة الإسلام.
وتتجلى أهمية الحديث الموضوعي في عدة أمور منها:
أولاً: أن الدراسة النموذجية فيه: هي الاستقصاء في جمع النصوص المتعلقة بموضوع واحد –على قدر الوسع والطاقة- وفق منهج يجمع كل متعلقاتها, فيكون هذا الموضوع متكاملاً من حيث جمع رواياته وبذلك:
1- يرد متشابه تلك النصوص إلى محكمها, ويحمل مطلقها على مقيدها, ويفسر عامها بخاصها, ببعض ،يقول الإمام أحمد: (إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه, والحديث يفسر بعضه بعضاً)لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي2/315.
2- ويتبين أيضا –من خلال الاستقصاء- الصحيح من السقيم من هذه النصوص, وكذلك الشاذ والمنكر, وغير ذلك من العلل التي قد ترد على الأحاديث, وهذا لا يتم إلا من خلال جمع الروايات للحديث أو للأحاديث.
ثانياً: أن الدراسة الموضوعية تحقق مطلباً عظيماً, ألا وهو تكامل فقه الحديث, الذي هو الثمرة من دراسته, فالعبادات الشرعية كالطهارة, والصلاة وغيرها, يجب أن نتعلمها بأركانها وواجباتها وأحكامها وشرائطها, حتى نقيمها على أكمل وجه, ولا يتسنى ذلك إلا بجمع الأحاديث المتعلقة بموضوع واحد, فأحاديث الصلاة مثلاً: متفاوتة فيما تحمله من أحكام, فبعضها فيه صفتها مقتصرة على الأركان والواجبات, وبعضها تذكر شيئاً من السنن وأخرى تبين حكماً يتعلق بالصلاة كالسهو والشك..وهكذا.
ثالثاً: في الدراسات الموضوعية للأحاديث, تبرز لنا  مكانة النبي صلى الله عليه وسلم وخصائصه, وما تميّز به من جوامع الكلم, وتتجلى أمامنا هذه الخصيصة والمزية بوضوح, وكذلك عندما نجمع أحاديث في صفاته صلى الله عليه وسلم  وخُلقه تتبين لنا هذه الصفات بكل أبعادها وثمارها.
رابعاً: دارس الحديث الموضوعي لا يبدأ عمله من النص, بل من واقع الحياة فيركّز نظره على موضوع من موضوعات الحياة العقدية, أو الاجتماعية, أو الفقهية أو غيرها ويستوعب جميع ما أثير حول هذا الموضوع من إشكالات, ثم يطرح هذا الموضوع بين يديّ النصوص الحديثية, فهو يبدأ عمله من الحياة والواقع, ليستنبط منه القضية, ثم ينتهي إلى الشريعة –وذلك من خلال نصوص الكتاب والسنة- في مقام التعرف على حكم هذا الواقع.
خامساً: إثراء المعلومات حول قضية معينة, فوقائع الحياة تتكاثر, وتتجدد باستمرار, وتتولد ميادين جديدة وقضايا ونوازل مستجدة على الساحة وغالباً ما يُطرح موضوع أو قضية أو مشكلة للبحث ويبقى أيٌّ من ذلك محتاجاً إلى إشباع البحث ومزيد الدراسة, ويتم تحقيق ذلك من خلال قواعد شرعية عامة, ورؤى مستفيضة, وتفتيق لشيء من أبعاد القضية المطروحة, فيخلصوا بحكم لهذه القضايا والنوازل.
سادساً: إن تجدد حاجة البشرية, وبروز أفكار جديدة, وانفتاح ميادين للنظريات العلمية الحديثة لا يمكن تغطيتها ولا رؤية الحلول لها إلا بالدراسة الموضوعية للقرآن والسنّة, إذ عندما نجابه بنظرة جديدة أو علم مستحدث فإننا لا نقدر على تحديد الموقف من هذا العلم وتلك النظرية وحل المشكلة القائمة, وبيان بطلان مذهب إلا عن طريق تتبع نصوص الكتاب والسنة, وبذلك يتمكن الباحث من القيام بدور اجتهادي للتوصل إلى تنظير أصول هذا الموضوع, وعلى ضوء هدايات الكتاب والسنة نستطيع معالجة أي موضوع يجدّ في الساحة العلمية.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

الحلقة ( 3 ) مصطلحات مرادفة للحديث (1-2) الحلقة ( 4 )

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مصطلحات مرادفة للحديث (1-2)

1-السنة.
تعريفها لغة: هي السيرة حسنة كانت أو قبيحة  لسان العرب( 13/225)
والسنة هي الطريقة فسنة كل واحد ما عهدت منه المحافظة عليه, والإكثار منه سواء كان ذلك من الأمور الحميدة أو غيرهاالإحكام( 1/223)..
ولها أيضاً معانٍ أخرى تقرب مما ذكر.
وفي الاصطلاح: هي كل ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية أو خلقية أو سيرة سواء كان ذلك قبل البعثة أم بعدها.
والسنة بهذا المعنى مرادفة لمعنى الحديث النبوي عند بعضهم السنة ومكانتها في التشريع ص 53 .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
معاني السنة في القرآن الكريم:
ورد لفظ السنة في كتاب الله تعالى في مواضع عدة, كما في سورة آل عمران آية 137 وسورة النساء آية26  وسورة الأنفال آية 38 وسورة الحجر آية 13 وسورة الإسراء آية 77 وسورة الكهف آية 55 وسورة الأحزاب آية 38 و62 وسورة فاطر آية 43 وغافر آية 85 والفتح آية 23 كما في المعجم المفهرس  المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم (ص: 367)., وقد ذكر المفسرون والمعتنون بألفاظ القرآن الكريم أن معناها الطريقة مطلقاً من غير تقييد.
قال الأصبهاني: (السنن جمع سنة وسنة الوجه طريقته وسنة النبي طريقته التي كان يتحراها, وسنة الله تعالى قد تقال لطريقة حكمته وطريقة طاعته نحو سنة الله التي قد خلت ..) المفردات في غريب القرآن, الأصبهاني (ص: 245)..
قال ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى: (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم: يعني طرائقهم الحميدة) تفسير القرآن العظيم( 2: 267)..
وقال القرطبي: (يبين لكم طرق الذين من قبلكم من أهل الحق وأهل الباطل) الجامع لأحكام القرآن, القرطبي (5/148)..
معانيها في حديث النبي صلى الله عليه وسلم :
ورد لفظ السنة في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً, ويبينها الشارحون لحديثه بمعنى الطريق المتبعة.
قال ابن الأثير –في باب السين مع النون- سنن: (قد تكرر في الحديث ذكر السنة وما تصرف منها والأصل منها الطريقة والسيرة وإذا أطلقت في الشرع فإنما يراد بها ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم  ونهى عنه وندب إليه قولاً وفعلاً مما لم ينطق به الكتاب العزيز, ولهذا يقال في أدلة الشرع: الكتاب والسنة أي القرآن والحديث) النهاية في غريب الحديث والأثر, ابن الأثير (ص: 449).
قال الحافظ ابن حجر: (السنة ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم  من أقواله وتقريره وما همّ بفعلهشرح نخبة الفكر(ص/ 153).,
والسنة في أصل اللغة: (الطريقة)  النهاية في غريب الحديث والأثر, ابن الأثير (ص: 449)) .
معانيها عند علماء الشريعة سوى المحدثين:
 أ ــ السنة في علم الاعتقاد:
هي الطريقة المسلوكة فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه ه وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال وهذه هي السنة الكاملة  جامع العلوم والحكم حديث العرباض (ص: 21)استناداً إلى ما جاء في حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم  يوما بعد صلاة الغداة موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال رجل: إن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا يا رسول الله؟ قال:( أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبد حبشي فإنه من يعش منكم يرى اختلافا كثيرا وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة فمن أدرك ذلك منكم فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ)(  أخرجه الترمذي( وهو حديث صحيح.
 ب ــ السنة في اصطلاح الفقهاء:
فهي كل ما ثبت عن النبي ه ولم يكن من باب الفرض ولا الواجب فهي الطريقة المتبعة في الدين من غير افتراض ولا وجوب .السنة قبل التدوين ص 18
أو هي كما يعبر بعضهم: ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه. الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ( 1/169)
 ج ــ السنة في اصطلاح علماء أصول الفقه:
قال الآمدي في تعريف السنة: وقد تطلق على ما صدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم  من الأدلة الشرعية مما ليس بتلو ولا هو معجز ولا داخـل في المعجز(الإحكام في أصول الأحكام للآمدي 1/169
وقد ذكر ابن حزم أقسام السنة فقال: السنن تنقسم ثلاثة أقسام: قول من النبي صلى الله عليه وسلم , أو فعل منه عليه السلام, أو شيء رآه وعلمه فأقر عليه ولم ينكره الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم 2/6.
وبهذا يتبين أن السنة عند الأصوليين هي: كل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم  غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير مما يصلح أن يكون دليلاً لحكم شرعيحجية السنة ص 68 السنة قبل التدوين ص 16
وبهذا يتبين الفرق بين هذه المصطلحات لهذا اللفظ الواحد بأن كل أهل العلم نظروا إلى السنة من منظار معين.
فالمحدثون نظروا إليها باعتبار كل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم .
والأصوليون  نظروا إليها باعتبار ما يصلح أن يكون دليلاً شرعياً.
والفقهاء نظروا إليها باعتبارها حكماً تكليفياً فهي أحد الأحكام التكليفية الخمسة.
وعلماء الاعتقاد نظروا إليها باعتبار ثبوتها بالدليل الشرعي فما يخالفها يعتبر بدعة فهي قسيم البدعة استناداً إلى ما جاء في حديث العرباض الذي سبق ذكره.
وهذا الإطلاق هو السائر في كتب العقيدة, وهو الغالب في الاستعمال عند هذا الإطلاق, سواء كان أمراً واجباً أو مستحباً أو مشروعاً.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 الحلقة ( 4 ) مصطلحات مرادفة للحديث (2-2) 

مصطلحات مرادفة للحديث (2-2)

2-الأثر:
تعريفه لغة: هو: بقية الشيء.
تعريفه اصطلاحاً: هو ما روي عن الصحابة والتابعين من أقوال وأفعال.
وقيل: الأثر مرادف للحديث سح المطر على قصب السكر في اصطلاح أهل الأثر ص 21.
3-الخبر:
تعريفه لغة: النبأ.
تعريفه اصطلاحاً: قيل: مرادف للحديث فيكون تعريفه مثل تعريف الحديث وهو: ما أضيف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم  من قول أو فعل أو تقرير أو وصف خلقي أو خُلقي, فعلى هذا يكون الخبر مرادفاً للحديث، وقيل: هما متباينان فالحديث ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم  والخبر ما جاء عن غيره، وقيل: بينهما عموم وخصوص مطلق فالحديث ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم والخبر ما جاء عنه أو عن غيره.
ومن الفقهاء من يقول: الخبر ما يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم  والأثر ما يروي عن الصحابة وأما أهل الحديث فيطلقون الأثر عليهما تدريب الراوي 1/185, 184.
فالمراد هنا أن الخبر والأثر يطلقان ويراد بهما ما أضيف إلى النبي ه وما أضيف إلى الصحابة والتابعين وهذا رأي الجمهور, إلا أن فقهاء خراسان يسمون الموقوف أثراً والمرفوع خبراً المعجم الوسيط ص 1040 .
تعريف الموضوعي:
الموضوع هو: محل العرض المختص به وقيل هو الأمر الموجود في الذهن المادة التي يبني عليها المتكلم كلامه التعريفات للجرجاني(ص: 305.
ثانياً: تعريفه باعتباره مركباً يدل على علم معين.
لم يكن هذا الجانب من علم الحديث معروفاً بهذا الاسم إلا في هذا الزمن, ولذا لم يكن له تعريف سابق.
ويمكن أن يقال في تعريفه بأنه: جمع الأحاديث الواردة في موضوع واحد من موضوعات العلم وتخريجها ودراستها إسناداً وموضوعاً، أو هو علم يبحث في موضوع من موضوعات السنة النبوية جمعاً لمتونه ودراسة لها.
شرح التعريف:
جمع: فيها تنصيص على قصد الجمع للأحاديث في هذا الباب واستقصائها.
من موضوعات العلم: يشمل جميع أنواع العلم من عقائد, وعبادات, ومعاملات, وغيرها.
موضوعاً: إشارة إلى أن الدراسة لموضوع الحديث أو الأحاديث وليست مجردة تحليلية لمتن واحد.
ودراستها إسناداً وموضوعاً: إضافة قصد الدراسة على تعريف الحديث الموضوعي يميزه عن تعريف الأجزاء الحديثية, وهذه الدراسة تشمل دراسة السند ودراسة المتن.
ما يتضمنه التعريف، وعلى التعريف يتضمن ما يلي:
1- النظر إلى موضوع معين, مثلاً صلاة العيدين.
2- جمع الأحاديث حول هذا الموضوع في وحدة واحدة.
3- ترتيب هذه الأحاديث في وحدات موضوعية أدق, مثلاً صلاة العيدين حكمها وقتهما سننها...إلخ.
4- دراسة هذه الأحاديث من حيث التخريج والحكم.
5- دراسة ما يستنبط من هذه الأحاديث مما يتعلق بالموضوع مع ذكر ما يؤيده من شواهد من القرآن الكريم أو القواعد الشرعية أو أقوال أهل العلم ويتبع ذلك ذكر المسائل الخلافية ما يحتاج إلى تفصيل ونحو ذلك مثل: صلاة العيدين فحديث يوجبها وحديث يجعلها سنة, فتدرس هذه الأحاديث وينظر في الجمع بينها وهكذا, وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله في الصورة المثلى للحديث الموضوعي.
الفرق بينه وبين الحديث التحليلي: يكمن الفرق بينهما في أمر جوهري, وهو أن الحديث التحليلي ينطلق من الحديث الواحد لتحليله من جميع جوانبه اللغوية والاستنباطية وغيرهما, غير مرتبط بموضوع معين, ولا بأحاديث أخرى.
أما الموضوعي: فهو ينظر إلى الموضوع الواحد ومجموع الأحاديث الدالة عليه دون تحليل كل حديث فيما يدل عليه من مسائل, ولا شك أنهما يشتركان في مسائل وخطوات، وفي المراجع اللغوية أو شروح أحاديث وفي التخريج والحكم, وتفترقان في أصل الطريقة والعناصر التي تحتوي عليها الدراسة.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الحلقة (2) تعريف الحديث الموضوعي

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تعريف الحديث الموضوعي




 

أولاً: تعريفه باعتبار مفرداته:
تعريف الحديث:
في اللغة: الحديث ضد القديملنهاية في غريب الحديث والأثر (1/350)
وفي الاصطلاح: هو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلقية أو خُلقية السنة قبل التدوين (ص: 20) شرح النخبة (ص::10), وغيرهما من كتب الاصطلاح.
شرح التعريف:
-ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم: يخرج به ما أضيف إلى غيره.
-من قول: يعني: الأحاديث القولية وهي أكثر الأحاديث, كقوله صلى الله عليه وسلم : (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)أخرجه: مسلم وقوله: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر أخرجه: مسلم (1/93.
أو فعل: مثل ما نقله الصحابة من صفة صلاته واعتكافه وحجه وغيرها.
-أو تقرير وله عدة صور:
أ- أن يرى فعلاً من أفعال الصحابة ثم يقره بقوله.
ب- أو يسكت عنه.
ج- أو تحدث حادثة لم يشهدها ثم يقرها.
-أو صفة خَلْقية: ما نقل إلينا من صفاته الخلقية كالطول واللون.
-أو صفة خُلُقية:وهي شمائله وكريم أخلاقه من حلم وصبر وشجاعة وكرم وغيرها, وزاد بعضهم (وكذا ما أضيف إلى الصحابة أو التابعين).


الحلقة( 1 ) المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

المقدمة


الحمد لله الذي فضل هذه الأمة بما فرض عليهم من الكتاب والسنة وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن نبينا محمداً أفضل رسول لأفضل أمة صلى الله عليه وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم واقتفى أثرهم على السنة, أما بعد:
فإن من فضل الله تعالى على العبد أن يوفق للعلم الشرعي المستقى من الكتاب والسنة تعلماً وتعليماً ونشراً ودفاعاً ليدخل في زمرة من بشّرهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (نضّر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع .أخرجه:الترمذي
وقد بذل أهل العلم من المحدثين جهوداً جبارة لخدمة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على مداد القرون الماضية جمعاً واستنباطاً وتقعيداً لقواعده وضبطاً لأصوله فجزاهم الله عن الأمة خبر الجزاء.
وفي هذا الوقت وجدت الأقسام العلمية المختصة في الجامعات وغيرها, ومن بينها أقسام السنة النبوية فتشعب الاختصاص فيها, وهذا من التطور المحمود –ولله الحمد والمنة- فوجد ما سمي بـ (الحديث الموضوعي) وهو موجود من الناحية العملية على مدار لكن لم يسطر من الناحية النظرية, وقد أنعم الله سبحانه وتعالى عليّ بأن درسته لطلاب السنة المنهجية في مرحلة (الماجستير) في كلية أصول الدين بالرياض بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سنوات عدة فرأى بعض الإخوة والزملاء تسجيل وتقييد هذه المعلومات النظرية علّها أن تكون مفيدة ومنطلقاً لتوسيعها  فشرح الله تعالى الصدر لذلك, فكانت هذه الكلمات المختصرة –نظرية وتطبيقية- في ضوء العناصر الآتية:
بيان مفهوم الحديث الموضوعي مع المصطلحات المقاربة له, مفرداً ومركباً, والفرق بينه وبين الحديث التحليلي.
ثم أهميته وأهدافه, ونشأة التأليف فيه, والصورة التطبيقية له, ومثال تطبيقي له, وجعلت ذلك كله في مباحث.
وقد نهجت فيه منهج التفقيط والاختصار لأن المقصود كان لطلاب مرحلة (الماجستير) من حيث نوعية الطلاب, وللوصول إلى الصورة المراد تطبيقها والعمل بها.
وقد لقي الحديث الموضوعي -مؤخراً- اهتماماً كبيراً من جميع الأقسام العلمية المختصة, وخرج عدد من الرسائل العلمية فيه فكان لزاماً أن يخرج هذا التقعيد, داعياً إخواني من أعضاء هيئة التدريس وغيرهم من المهتمين بدراسة الحديث وتدريسه التسديد والتصويب والتطوير جزاهم الله خيراً وأثابهم, أسأل الله تعالى أن ينفع به, ويجعله من المدخرات في الدنيا والآخرة, إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


أَيَا مَنْ لَيْسَ لِى مِنْهُ مُجِيرٌ... بَعَفْوِكَ مِنْ عَذَابِكَ أَسْتَجِيرُ
أَنَا العَبْدُ المُقِرُّ بِكُلِّ ذَنْبٍ... وَ أَنْتَ السَّيّدُ المَوْلَى الغَفُورُ
فَإِنْ عَذَّبْتَنِي فَبِسُوءِ فِعُلِى... وَإِنْ تَغْفِرْ فَأَنْتَ بِهِ جَدِيرُ
أَفِرُّ إِلَيْكَ مِنْكَ وَأَيْنَ... إِلاّ إِلَيْكَ يَفِرُّ مِنْكَ المُسْتَجِيرُ

الأحد، 4 مارس 2012

أسماء الله الحسنىالمجموعة التاسعة

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
 أسماء الله الحسنىالمجموعة التاسعة


المانع الضار النافع النور الهادئ
البديع
الباقي الوارث الرشيد الصبور  

المانع : تقول اللغة أن المنع ضد الإعطاء ، وهى أيضا بمعنى الحماية ، الله تعالى المانع الذى يمنع البلاء حفظا وعناية ، ويمنع العطاء عمن يشاء أبتلاء أو حماية ، ويعطى الدنيا لمن يحب ومن لا يحب ، ولا يعطى الآخرة إلا لمن يحب ، سبحانه يغنى ويفقر ، ويسعد ويشقى ، ويعطى ويحرم ، ويمنح ويمنع فهو المعطى المانع ، وقد يكون باطن المنع العطاء ، قد يمنع العبد من كثرة الأموال ويعطيه الكمال والجمال ، فالمانع هو المعطى ، ففى باطن المنع عطاء وفى ظاهر العطاء بلاء ، هذا الاسم الكريم لم يرد فى القرآن الكريم ولكنه مجمع عليه فى روايات حديث الاسماء الحسنى وفى القرآن الكريم معنى المانع ، وفى حديث للبخارة :اللهم من منعت ممنوع

الضار  النافع : تقول اللغة أن الضر ضد النفع ، والله جل جلاله هو الضار ، أى المقدر للضر لمن أراد كيف أراد ، هو وحده المسخر لأسباب الضر بلاء لتكفير الذنوب أو ابتلاء لرفع الدرجات ، فإن قدر ضررا فهو المصلحة الكبرى . الله سبحانه هو النافع الذى يصدر منه الخير والنفع فى الدنيا والدين ، فهو وحده المانح الصحة والغنى ، والسعادة والجاه والهداية والتقوى والضار النافع إسمان يدلان على تمام القدرة الإلهية ، فلا ضر ولا نفع ولا شر ولا خير إلا وهو بإرادة الله ، ولكن أدبنا مع ربنا يدعونا الى أن ننسب الشر الى أنفستا ، فلا تظن أن السم يقتل بنفسه وأن الطعام يشبع بنفسه بل الكل من أمر الله وبفعل الله ، والله قادر على سلب الأشياء خواصها ، فهو الذى يسلب الإحراق من النار ، كما قيل عن قصة إبراهيم ( قلنا يا نار كونى بردا وسلاما على إبراهيم ) ، والضار النافع وصفان إما فى أحوال الدنيا فهو المغنى والمفقر ، وواهب الصحة لهذا والمرض لذاك ، وإما فى أحوال الدين فهو يهدى هذا ويضل ذاك ، ومن الخير للذاكر أن يجمع بين الأسمين معا فإليهما تنتهى كل الصفات وحظ العبد من الاسم أن يفوض الأمر كله لله وأن يستشعر دائما أن كل شىء منه واليه 

النور : تقول اللغة النور هو الضوء والسناء الذى يعين على الإبصار ، وذلك نوعان دنيوى وأخروى ، والدنيوى نوعان : محسوس بعين البصيرة كنور العقل ونور القرآن الكريم ، والأخر محسوس بعين البصر ، فمن النور الإلهى قوله تعالى ( قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين ) ومن النور المحسوس قوله تعالى ( هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نور ) ، والنور فى حق الله تعالى هو الظاهر فى نفسه بوجوده الذى لا يقبل العدم ، المظهر لغيره بإخراجه من ظلمة العدم الى نور الوجود ، هو الذى مد جميع جميع المخلوقات بالأنوار الحسية والمعنوية ، والله عز وجل يزيد قلب المؤمن نورا على نور ، يؤيده بنور البرهان ، ثم يؤيده بنور العرفان ، والنور المطلق هو الله بل هو نور الأنوار ، ويرى بعض العارفين أن اسم النور هو اسم الله الأعظم

الهادئ : تقول اللغة أن الهداية هى الإمالة ، ومنه سميت الهدية لأنها تميل قلب المهدى اليه الهدية الى الذى أهداه الهدية ، والله الهادى سبحانه الذى خص من أراد من عباده بمعرفته وأكرمه بنور توحيده ويهديه الى محاسن الأخلاق والى طاعته ، ويهدى المذنبين الى التوبة ، ويهدى جميع المخلوقات الى جلب مصالحها ودفع مضارها والى ما فيه صلاحهم فى معاشهم ، هو الذى يهدى الطفل الى ثدى أمه .. والفرخ لألتقاط حبه .. والنحل لبناء بيته على شكل سداسى .. الخ ، إنه الأعلى الذى خلق فسوى والذى قدر فهدى ، والهادى من العباد هم الأنبياء والعلماء ، وفى الحقيقة أن الله هو الهادى لهم على السنتهم

البديع : اتقول اللغة إن الإبداع إنشاء صنعة بلا احتذاء أو اقتداء ، والإبداع فى حق الله تعالى هو إيجاد الشىء بغير ألة ولا مادة ولا زمان ولا مكان ، وليس ذلك إلا لله تعالى ، والله البديع الذى لا نظير له فى معنيان الأول : الذى لا نظير له فى ذاته ولا فى صفاته ولا فى أفعاله ولا فى مصنوعاته فهو البديع المطلق ، ويمتنع أن يكون له مثيل أزلا وابدا ، والمعنى الثانى : أنه المبدع الذى ابدع الخلق من غير مثال سابق
وحظ العبد من الاسم الأكثار من ذكره وفهم معناه فيتجلى له نوره ويدخله
الحق تبارك وتعالى فى دائرة الإبداع ، ومن أدب ذكر هذا الاسم أن يتجنب البدعة ويلازم السنة

الباقي : البقاء ضد الفناء ، والباقيات الصالحات هى كل عمل صالح ، والله الباقى الذى لا ابتداء لوجوده ،الذى لا يقبل الفناء ، هو الموصوف بالبقاء الأزلى من أبد الأبد الى ازل ازل الأزل ،فدوامه فى الأزل هو القدم ودوامه فى الأبد هو البقاء ولم يرد اسم الباقى بلفظه فى القرآن الكريم ولكن مادة البقاء وردت منسوبة الى الله تعالى ففى سورة طه ( والله خير وأبقى ) وفى سورة الرحمن ( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) ، وحظ العبد من الاسم إذا أكثر من ذكره كاشفه الله بالحقائق الباقية ، وأشهده الأثار الفانية فيفر الى الباقى بالأشواق

الوراث : الوارث سبحانه هو الباقى بعد فناء الخلق ، وقيل الوارث لجميع الأشياء بعد فناء أهلها ،روى أنه ينادى يوم القيامة : لمن الملك اليوم ؟ فيقال : لله الواحد القهار. وهذا النداء عبارة عن حقيقة ما ينكشف للأكثرين فى ذلك اليوم إذ يظنون لأنفسهم ملكا ، أما أرباب البصائر فإنهم أبدا مشاهدون لمعنى هذا النداء ، يؤمنون بأن الملك لله الواحد القهار أزلا وابدا . ويقول الرازى ( أعلم أن ملك جميع الممكنات هو الله سبحانه وتعالى ، ولكنه بفضله جعل بعض الأشياء ملكا لبعض عباده ، فالعباد أنما ماتوا وبقى الحق سبحانه وتعالى ، فالمراد يكون وارثا هو هذا  .

الرشيد : الرشد هو الصلاح والأستقامة ،وهو خلاف الغى والضلالة ، والرشيد كما يذكر الرازى على وجهين أولهما أن الراشد الذى له الرشد ويرجع حاصله الى أنه حكيم ليس فى أفعاله هبث ولا باطل ، وثانيهما إرشاد الله يرجع الى هدايته ، والله سبحانه الرشيد المتصف بكمال الكمال عظيم الحكمة بالغ الرشاد وهو الذى يرشد الخلق ويهديهم الى ما فيه صلاحهم ورشادهم فى الدنيا وفى الآخرة ، لا يوجد سهو فى تدبيره ولا تقديره ، وفى سورة الكهف ( من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل الله فلن تجد له وليا مرشدا ) ، وينبغى للإنسان مع ربه الرشيد أن يحسن التوكل على ربه حتى يرشده ، ويفوض أمره بالكلية اليه وأن يستجير به كل شغل ويستجير به فى كل خطب ، كما أخبر الله عن عيسى عليه السلام بقوله تعالى ( ولما توجه تلقاء ربه قال عسى ربى أن يهدينى سواء السبيل) وهكذا ينبغى للعبد إذا أصبح أن يتوكل على ربه وينتظر ما يرد على قلبه من الإشارة فيقضى أشغاله ويكفيه جميع أموره 

الصبور : تقول اللغة أن الصبر هو حبس النفس عن الجزع ، والصبر ضد الجزع ، ويسمى رمضان شهر الصبر أن فيه حبس النفس عن الشهوات ، والصبور سبحانه هو الحليم الذى لا يعاجل العصاة بالنقمة بل يعفو أو يؤخر ، الذى إذا قابلته بالجفاء قابلك بالعطاء والوفاء ، هو الذى يسقط العقوبة بعد وجوبها ، هو ملهم الصبر لجميع خلقه ، واسم الصبور غير وارد فى القرآن الكريم وإن ثبت فى السنة، و الصبور يقرب معناه من الحليم ، والفرق بينهم أن الخلق لا يأمنون العقوبة فى صفة الصبور كما يأمنون منها فى صيغة الحليم
والصبر عند
العباد ثلاثة أقسام : من يتصبر بأن يتكلف الصبر ويقاسى الشدة فيه .. وتلك أدنى مراتب الصبر ، ومن يصبر على على تجرع المرارة من غير عبوس ومن غير إظهار للشكوى .. وهذا هو الصبر وهو المرتبة الوسطى ، ومن يألف الصبر والبلوى لأنه يرى أن ذلك بتقدير المولى عز وجل فلا يجد فيه مشقة بل راحة
وقيل اصبروا فى الله .. ، وصابروا لله
.. ، ورابطوا مع الله.. ، فالصبر فى الله بلاء ، والصبر لله عناء ، والصبر مع الله وفاء ، ومتى تكرر الصبر من العبد أصبح عادة له وصار متخلقا بأنوار الصبور