السبت، 21 ديسمبر 2013

القاعدة الثالثة:

بســــــــــــــم الله الـــــــــــرحمن الـــــــــــرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

القاعدة الثالثة: (وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ)

 
الحمد لله، وبعد:
فهذه قاعدة أخرى في مسرد موضوعنا الممتد: (قواعد قرآنية)، وهي قاعدة سامقة الفروع، باسقة الجذوع؛ لأنها من القواعد السلوكية التي تدل على عظمة هذا الدين، وشموله، وروعة مبادئه، إنها القاعدة التي دلّ عليها قوله تعالى: (ولا تنسوا الفضل بينكم)، وهذه الآية الكريمة جاءت في سياق آيات الطلاق في سورة البقرة، يقول ربنا تبارك وتعالى: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).
والمعنى: أن الله تعالى يأمر من جمعتهم ع�ن الزوجين لبعضهما، فإذا قُدّر وآل هذا العقد إلى حل عقدته بالطلاق، فإن هذا لا يعني نسيان ما كان بين الزوجين من مواقف الفضل والوفاء، ولئن تفارقت الأبدان، فإن الجانب الخلقي يبقى ولا يذهبه مثل هذه الأحوال العارضة.
وتأمل في أثر العفو، فإنه: يقرّب إليك البعيد، ويصيّر العدو لك صديقاً.
بل وتذكر ـ يا من تعفو ـ أنه يوشك أن تقترف ذنباً، فيُعفى عنك إذا تعارف الناس الفضل بينهم، بخلاف ما إذا أصبحوا لا يتنازلون عن الحق.


ولله ! ما أعظم هذه القاعدة لو تم تطبيقها بين الأزواج، وبين كل من تجمعنا بهم رابطة أو علاقة من العلاقات!
لقد ضرب بعض الأزواج ـ من الجنسين ـ أروع الأمثلة في الوفاء، وحفظ العشرة، سواء لمن حصل بينهم وبين أزواجهم فراق بالطلاق، أو بالوفاة، أذكر نموذجاً وقفتُ عليه، ربما يكون نادراً، وهو لشخص أعرفه، طلق زوجته ـ التي له منها أولاد ـ فما كان منه إلا أسكنها في الدور العلوي مع أولاده الذين بقوا عندها، وسكن هو في الدور الأرضي، وصار هو الذي يسدد فواتير الاتصالات والكهرباء ويقوم تفضلاً بالنفقة على مطلقته، حتى إن كثيراً ممن حوله من سكان الحي لا يدرون أنه مطلق! وإني لأحسبه ممن بلغ الغاية في امتثال هذا التوجيه الرباني: {ولا تنسوا الفضل بينكم}، نعم هذا مثال عزيز؛ لكني أذكره لأبين أن في الناس خيراً، وكما قال الحطيئة:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه *** لا يذهب العرف بين الله والناس


أيها القراء الكرام:

دعونا نتوقف قليلاً عند موقف عملي ممن كان خلقَه القرآن ج، لنرى كيف كان يتمثل ويمتثل القرآن عملياً في حياته: وذلك أن أنه ج لما رجع من الطائف، بعد أن بقي شهراً يدعو أهلها، ولم يجد منهم إلا الأذى، رجع إلى مكة، فدخل في جوار المطعم بن عدي، فأمر أولاده الأربعة فلبسوا السلاح، وقام كل واحد منهم عند الركن من الكعبة، فبلغ ذلك قريشاً فقالوا له: أنت الرجل الذي لا تخفر ذمتك!
ومات المطعم مشركاً، لكن النبي ج لم ينس له ذلك الفضل، فأراد أن يعبر عن امتنانه لقبول المطعم بن عدي أن يكون في جواره في وقت كانت مكة كلها إلا نفراً يسيراً ضد النبي ج، فلما انتهت غزوة بدر ـ كما في البخاري ـ: "لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له
صحيح البخاري، رقم (3139).

والمعنى: لو طلب مني تركهم وإطلاقهم من الأسر بغير فداء لفعلت؛ ذلك مكافأة له على فضله السابق في قبول الجوار، فصلوات الله وسلامه على معلم الناس الخير.
وإن في حياتنا صنوفاً من العلاقات ـ سوى علاقة الزواج ـ: إما علاقة قرابة، أو مصاهرة، أو علاقة عمل، أو صداقة، أو يد فضل، فما أحرانا أن نطبق هذه القاعدة في حياتنا؛ ليبقى الود نهرًا مطردًا، ولتحفظ الحقوق، وتتصافى القلوب كبياض البدر بل أبهى، وكصفاء الشهد بل أنقى، وكرونق الزهر بل أعطر و أزكى؛ وإلا فإن مجانبة تطبيق هذه القاعدة الأخلاقية العظيمة، يعني مزيداً من التفكك والتباعد والشقاق، ووأداً لبعض الأخلاق الشريفة.


ومن العلاقات التي لا يكاد ينفك عنها أحدنا: علاقة العمل: سواء كان حكومياً أو خاصاً، أو تجارةً، فقد تجمعنا بأحد من الناس علاقة عمل، وقد تقتضي الظروف أن يحصل الاستغناء عن أحد الموظفين، أو انتقال أحد الأطراف إلى مكان عمل آخر برغبته واختياره، وهذا موضع من مواضع هذه القاعدة: فلا ينبغي أن ينسى الفضل بين الطرفين، فكم هو جميل أن يبادر أحد الطرفين إلى إشعار الطرف الآخر، أنه وإن تفرقنا ـ بعد مدة من التعاون ـ فإن ظرف الانتقال لا يمكن أن ينسينا ما كان بيننا من ود واحترام، وصفاء ووئام، وتعاون على مصالح مشتركة، ولذا فإنك تشكر أولئك الأفراد، وتلك المؤسسات التي تعبر عن هذه القاعدة عملياً بحفل تكريمي أو توديعي لذلك الطرف، فإن هذا من الذكريات الجميلة التي لا ينساها المحتفى به، وإذا أردتَ أن تعرف موقع وأثر مثل هذه المواقف الجميلة، فانظر إلى الأثر النفسي السلبي الذي يتركه عدم المبالاة بمن بذلوا وخدموا في مؤسساتهم الحكومية أو الخاصة لعدة سنوات، فلا يصلهم ولا خطاب شكر!.

ـ ومن ميادين تطبيق هذه القاعدة: الوفاء للمعلمين، وحفظ أثرهم الحسن في نفس المتعلم.
أعرف معلماً( من رواد التعليم في إحدى مناطق بلادنا من ضرب مثالاً للوفاء، إذ لم يقتصر وفاؤه لأستاذته الذين درسوه، بل امتد لأبنائهم حينما مات أستاذته ـ رحمهم الله ـ ويزداد عجبك حين تعلم أنه يتواصل معهم وهم خارج المملكة سواء في مصر أو الشام، فلله در هذا الرجل، وأكثر في الأمة من أمثاله.
ورحم الله الإمام الشافعي يوم قال: الحر من حفظ وداد لحظة، ومن أفاده لفظة.


وفي واقعنا مواضع كثيرة لتفعيل هذه القاعدة القرآنية الكريمة {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ}: فللجيران الذين افترقوا منها نصيب، ولجماعة المسجد منها حظ، بل حتى العامل والخادم الذي أحسن الخدمة، ولهذه القاعدة حضورها القوي في المعاملة، حتى قال بعض أهل العلم: "من بركة الرزق: أن لا ينسى العبد الفضل في المعاملة، كما قال تعالى: {وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ}[البقرة:237], بالتيسير على الموسرين، وإنظار المعسرين، والمحاباة عند البيع والشراء، بما تيسر من قليل أو كثير، فبذلك ينال العبد خيراً كثيراً"().بهجة قلوب الأبرار: (37).
إن الوفاء على الكرام فريضة *** واللؤم مقرون بذي النسيان

وترى الكريم لمن يعاشر حافظا *** وترى اللئيم مضيع الإخوان


نسأل الله تعالى أن يهدينا لأحسن الأخلاق والأعمال لا يهدي لأحسنها إلا هو،وأن يعيذنا من سيئها لا يعيذ منها إلا هو سبحانه.

القاعدة الثانية:

بســــــــــــــم الله الـــــــــــرحمن الـــــــــــرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
القاعدة الثانية: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ...)
الحمد لله،وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فحديثنا في هذه الحلقة مع قاعدة عظيمة لها أثرٌ بالغ في حياة الذين وعوها وعقلوها، واهتدوا بهداها، قاعدة لها صلة بأحد أصول الإيمان العظيمة: ألا وهو: الإيمان بالقضاء والقدر، وتلكم القاعدة هي قوله سبحانه وتعالى ـ في سورة البقرة في سياق الكلام على فرض الجهاد في سبيل الله ـ: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216]}.


وهذا الخير المجمل، فسره قوله تعالى في سورة النساء ـ في سياق الحديث عن مفارقة النساء ـ: {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19].
فقوله (خيراً كثيراً) مفسر وموضح للخير الذي ذكر في آية البقرة، وهي الآية الأولى التي استفتحنا بهذا هذا الحديث.


ومعنى القاعدة بإيجاز:
أن الإنسان قد يقع له شيء من الأقدار المؤلمة، والمصائب الموجعة، التي تكرهها نفسه، فربما جزع، أو أصابه الحزن، وظن أن ذلك المقدور هو الضربة القاضية، والفاجعة المهلكة، لآماله وحياته، فإذا بذلك المقدور منحة في ثوب محنة، وعطية في رداء بلية، وفوائد لأقوام ظنوها مصائب، وكم أتى نفع الإنسان من حيث لا يحتسب!.
والعكس صحيح: فكم من إنسان سعى في شيءٍ ظاهره خيرٌ، وأهطع إليه، واستمات في سبيل الحصول عليه، وبذل الغالي والنفيس من أجل الوصول إليه، فإذا بالأمر يأتي على خلاف ما يريد،
و هذا هو معنى القاعدة القرآنية التي تضمنتها هذه الآية باختصار.


أيها القارئ الموفق:
ما إن تمعن بناظريك، وترجع البصر كرتين، متأملاً الآيتين الكريمتين الأولى والثانية، إلا وتجد الآية الأولى ـ التي تحدثت عن فرض الجهاد ـ تتحدث عن ألم بدني وجسميًّ قد يلحق المجاهدين في سبيل الله، كما هو الغالب، وإذا تأملت الآية الثانية ـ آية مفارقة النساء ـ ألفيتها تتحدث عن ألم نفسي يلحق أحد الزوجين بسب فراقه لزوجه!

وإذا بصرت في آية الجهاد وجدتها تتحدث عن عبادة من العبادات، وإذا تمعنت آية النساء، وجدتها تتحدث عن علاقات دنيوية.
إذن فنحن أمام قاعدة تناولت أحوالاً شتى: دينية ودنيوية، بدنية ونفسية، وهي أحوال لا يكاد ينفك عنها أحد في هذه الحياة التي:
جبلت على كدر وأنت تريدها *** صفوا من الأقذاء والأقذار


وقول الله أبلغ وأوجز وأعجز، وأبهى مطلعا وأحكم مقطعا: {لقد خلقنا الإنسان في كبد}.

إذا تبين هذا ـ أيها المؤمن بكتاب ربه ـ فأدرك أن إعمال هذه القاعدة القرآنية: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} من أعظم ما يملأ القلب طمأنينة وراحةً، ومن أهم أسباب دفع القلق الذي عصف بحياة كثير من الناس، بسبب موقف من المواقف، أو بسبب قدر من الأقدار المؤلمة ـ في الظاهر ـ جرى عليه في يوم من الأيام!

ولو قلبنا قصص القرآن، وصفحات التاريخ، أو نظرنا في الواقع لوجدنا من ذلك عبراً وشواهدَ كثيرة، لعلنا نذكر ببعض منها، عسى أن يكون في ذلك سلوةً لكل محزون، وعزاء لكل مهموم:
1 ـ قصة إلقاء أم موسى لولده في البحر!
فأنت ـ إذا تأملتَ ـ وجدتَ أنه لا أكره لأم موسى من وقوع ابنها بيد آل فرعون، ومع ذلك ظهرت عواقبه الحميدة، وآثاره الطيبة في مستقبل الأيام، وصدق ربنا: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}.


2 ـ وتأمل في قصة يوسف عليه الصلاة والسلام تجد أن هذه الآية منطبقة تمام الانطباق على ما جرى ليوسف وأبيه يعقوب عليهما الصلاة والسلام.

3 ـ تأمل في قصة الغلام الذي قتله الخضر بأمر الله تعالى، فإنه علل قتله بقوله: {وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا} [الكهف: 80، 81]!
توقف ـ أيها المؤمن ويا أيتها المؤمنة عندها قليلاً ـ!


كم من إنسان لم يقدر الله تعالى أن يرزقه بالولد، فضاق ذرعا بذلك، واهتم واغتم وصار ضيقا صدره ـ وهذه طبيعة البشر ـ لكن الذي لا ينبغي أن يحدث هو الحزن الدائم، والشعور بالحرمان الذي يقضي على بقية مشاريعه في الحياة!
وليت من حرم نعمة الولد أن يتأمل هذه الآية لا ليذهب حزنه فحسب، بل ليطمئن قلبه، وينشرح صدره، ويرتاح خاطره، وليته ينظر إلى هذا القدر بعين النعمة،وبصر الرحمة، وأن الله تعالى رُبَما صرف هذه النعمة رحمةً به! وما يدريه؟ لعله إذا رزق بولد صار - هذا الولد - سبباً في شقاء والديه، وتعاستهما، وتنغيص عيشهما! أو تشويه سمعته، حتى لو نطق لكاد أن يقول:؟؟؟


4 ـ وفي السنة النبوية نجد هذا لما ماتت زوج أم سلمة: أبو سلمة رضي الله عنهم جميعاً، تقول أم سلمة رضي الله عنها: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه وسلم يقول: «ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها. إلا أخلف الله له خيرا منها».
قالت: فلما مات أبو سلمة، قلت: أي المسلمين خير من أبى سلمة؟ أول بيت هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه؟ ثم إني قلتها، فأخلف الله لي رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه!


فتأمل هذا الشعور الذي انتاب أم سلمة ـ وهو بلا شك ينتاب بعض النساء اللاتي يبتلين بفقد أزواجهن ويتعرض لهن الخُطاب ـ ولسان حالهن: ومن خير من أبي فلان؟! فلما فعلتْ أم سلمة ما أمرها الشرع به من الصبر والاسترجاع وقول المأثور، أعقبها الله خيراً لم تكن تحلمُ به، ولا يجول في خلدها.
وهكذا المؤمنة.. يجب عليها أن لا تختصر سعادتها، أو تحصرها في باب واحد من أبواب الحياة، نعم.. الحزن العارض شيء لم يسلم منه ولا الأنبياء والمرسلون! بل المراد أن لا نحصر الحياة أو السعادة في شيء واحد، أو رجل، أو امرأة، أو شيخٍ!


5 ـ وفي الواقع قصص كثيرة جداً، أذكر منها ما ذكره الطنطاوي رحمه الله عن صاحب له: أن رجلاً قدم إلى المطار، وكان حريصا على رحلته، وهو مجهد بعض الشيء، فأخذته نومةٌ ترتب عليها أن أقلعت الطائرة، وفيها ركاب كثيرون يزيدون على ثلاث مئة راكب، فلما أفاق إذا بالطائرة قد أقلعت قبل قليل، وفاتته الرحلة، فضاق صدره، وندم ندماً شديداً، ولم تمض دقائق على هذه الحال التي هو عليها حتى أعلن عن سقوط الطائرة، واحتراق من فيها بالكامل!
والسؤال أخي: ألم يكن فوات الرحلة خيراً لهذاالرجل؟! ولكن أين المعتبرون والمتعظون؟


6- وهذا طالب ذهب للدراسة في بلد آخر، وفي أيام الاختبارات ذهب لجزيرة مجاورة للمذاكرة والدراسة، وهو سائر في الجزيرة قطف بعض الورود، فرآه رجال الأمن فحبسوه يوماً وليلة عقاباً لصنيعه مع النبات، وهو يطلب منهم بإلحاح إخراجه ليختبر غدا، وهم يرفضون، ثم ماذا حصل!؟ لقد غرقت السفينة التي كانت تقل الركاب من الجزيرة ذلك اليوم، غرقت بمن فيها، ونجا هو بإذن الواحد الأحد!

والخلاصة ـ أيها المستمعون الكرام ـ:
أن المؤمن عليه:
أن يسعى إلى الخير جهده *** وليس عليه أن تتم المقاصد
 
وأن يتوكل على الله، ويبذل ما يستطيع من الأسباب المشروعة، فإذا وقع شيءٌ على خلاف ما يحب،فليتذكر هذه القاعدة القرآنية العظيمة: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216]}.
وليتذكر أن (من لطف الله بعباده أنه يقدر عليهم أنواع المصائب، وضروب المحن، و الابتلاء بالأمر والنهي الشاق رحمة بهم، ولطفاً، وسوقا إلى كمالهم، وكمال نعيمهم)(() تفسير أسماء الله الحسنى للسعدي: (74).

ومن ألطاف الله العظيمة أنه لم يجعل حياة الناس وسعادتهم مرتبطة ارتباطاً تاماً إلا به سبحانه وتعالى، وبقية الأشياء يمكن تعويضها، أو تعويض بعضها:

من كل شيء إذا ضيعته عوضٌ *** وما من الله إن ضيعتهُ عوضُ

القاعدة الأولى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً)


بســــــــــــــم الله الـــــــــــرحمن الـــــــــــرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 القاعدة الأولى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً)

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً، قيماً لينذر بأساً شديدا من لدنه، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إن ندًّا وإن وثنا، - جل في علاه -ما رحم عباده بمثل إنزال القرآن، الذي أنزله تبياناً لكل شيء وهدىً وموعظةً وذكرى، وجعل لتاليه والعاملين من لدنه خيراً وأجراً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، كانت حياته وأخلاقه للقرآن تفسيراً وشرحاً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديهم، واستن بسنتهم إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً،
أزكى صلاةٍ مع التسليم دائمةً *** ما إن لها أبداً حدٌ ولا أمدُ


أما بعد:
فهاؤم لمحاتٌ جلية، ووقفاتٌ ندية، مع مقاطع من آيات من كتاب الله العزيز، فيها حكم وعبر ودرر، عنونتهابـ (قواعد قرآنية)، نحاول فيها ـ إن شاء الله تعالى ـ أن نقف على جملٍ قصيرة من الجمل التي بُثّت في ثنايا القرآن، وهي على قصرها، حوت خيراً كثيراً، واشتملت على معانٍ جليلة، تمثل في حقيقتها قاعدة من القواعد، ومنهجا ومنهاجا، سواءً في علاقة الإنسان مع ربه، أو في علاقته مع الخلق، أو مع النفس.

إذا فهي قبس وضاء، وبدر منير، وسراج وهاج، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أوتي جوامع الكلم، واختصر له الكلام اختصاراً، فيقول الجملة الواحدة من كلمتين أو ثلاث، ثم تجد تحتها من المعاني ما يستغرق العلماء في شرحها صفحاتٍ كثيرة، فما ظنك بكلام الله جل وعلا الذي يهب الفصاحة والبلاغة من يشاء؟!

إن من أعظم مزايا هذه القواعد، الأجر المتكرر عند قراءتها وشمولها، وسعة معانيها، فليست هي خاصة بموضوع محدد كالتوحيد، أو العبادات مثلاً، بل هي شاملة لهذا ولغيره من الأحوال التي يتقلب فيها العباد، فثمة قواعدُ تعالج علاقة العبد بربه تعالى، وقواعدُ تصحح مقام العبودية، وسير المؤمن إلى الله والدار الآخرة، وقواعدُ لترشيد السلوك بين الناس، وأخرى لتقويم وتصحيح ما يقع من أخطاء في العلاقة الزوجية، إلى غير ذلك من المجالات، بل لا أبالغ إذا قلتُ ـ وقد تتبعتُ أكثر من مائة قاعدة في كتاب الله ـ: إن القواعد القرآنية لم تدع مجالاً إلا طرقته ولا موضوعا إلا ذكرته.

أخي المبارك:
يروق للكثيرين استعمال واستخدام ما يعرف بالتوقيعات، لتكون همسة متكررة، ومعنى متجلٍ يتجدد، وتكون هذه التوقيعات إما بيتاً رائقا من الشعر أو كلمةً عذبة لأحد الحكماء، أو قطعةً مذهبةً من حديث شريف، وهذا كله حسن لا إشكال فيه، لكن ليتنا نفعّل ونوظف معاني القرآن من خلال تكرار القواعد القرآنية التي حفل بها كتابُ الله تعالى، فإن ذلك له فوائد كثيرة، منها:
1 ـ ربط الناس بكتاب ربهم تعالى في جميع شؤونهم وأحوالهم، ونيلهم الأجر عند كل قراءة أو كتابة لآية.
2 ـ ليرسخ في قلوب الناس أن القرآن فيه علاج لجميع مشاكلهم مهما تنوعت، تارةً بالتنصيص عليها، وتارة بالإشارة إليها من خلال هذه القواعد.
3 ـ أن تفعيل هذه القواعد القرآنية سيكون بديلاً عن كثير من الغث الذي ملئت بها توقيعات بعض الناس سواء في كلماتهم، أو مقالاتهم، أو معرفاتهم على الشبكة العالمية.


وأول هذه القواعد التي نبتدئ بها، هي قاعدة من القواعد المهمة في باب التعامل بين الناس، وهي قوله تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً} [البقرة: من الآية83].
إنها قاعدة تكرر ذكرها في القرآن في أكثر من موضع إما صراحة أو ضمنا ً:
فمن المواضع التي توافق هذا اللفظ تقريباً: قوله تعالى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الإسراء: من الآية53].
وقريب من ذلك أمره سبحانه بمجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن، فقال سبحانه: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [العنكبوت/46].
أما التي توافقها من جهة المعنى فكثيرة كما سنشير إلى بعضها بعد قليل.
إذا تأمل في قوله تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً} جاءت في سياق أمر بني إسرائيل بجملة من الأوامر وهي في سورة مدنية ـ وهي سورة البقرة ـ وقال قبل ذلك في سورة مكية ـ وهي سورة الإسراء ـ: أمراً عاماً {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن}.. إذاً فنحن أمام أوامر محكمة، ولا يستثنى منها شيء إلا في حال مجادلة أهل الكتاب ـ كما سبق ـ.


ومن اللطائف مع هذه الآية {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً} أن هناك قراءة أخرى سبعية لحمزة والكسائي: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حَسَناً}.
قال أهل العلم: (والقول الحسن يشمل: الحسن في هيئته؛ وفي معناه، ففي هيئته: أن يكون باللطف، واللين، وعدم الغلظة، والشدة، وفي معناه: بأن يكون خيراً؛ لأن كل قولٍ حسنٍ فهو خير؛ وكل قول خير فهو حسن)(.
تفسير العثيمين 3/196.
وقد أحسن أحمد الكيواني حيث قال:
من يغرس الإحسان يجنِ محبة *** دون المسيء المبعد المصروم
أقل العثار تفز، ولا تحسد، ولا *** تحقد، فليس المرء بالمعصوم



أيها القارئ الموفق:
إننا نحتاج إلى هذه القاعدة بكثرة، خاصةً وأننا ـ في حياتنا ـ نتعامل مع أصناف مختلفة من البشر، فيهم المسلم وفيهم الكافر، وفيهم الصالح والطالح، وفيهم الصغير والكبير، بل ونحتاجها للتعامل مع أخص الناس بنا: الوالدان، والزوج والزوجة والأولاد، بل ونحتاجها للتعامل بها مع من تحت أيدينا من الخدم ومن في حكمهم.

وأنت ـ أيها المؤمن ـ إذا تأملتَ القرآن، ألفيت أحوالاً نص عليها القرآن كتطبيق عملي لهذه القاعدة، فمثلاً:
1 ـ تأمل قول الله تعالى ـ عن الوالدين ـ: {وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً} [الإسراء: من الآية23] إنه أمرٌ بعدم النهر، وهو متضمن للأمر بضده، وهو الأمر بالقول الكريم، الذي لا تعنيف فيه، ولا تقريع ولا توبيخ.


2 ـ وكذلك ـ أيضاً ـ فيما يخص مخاطبة السائل المحتاج: {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ} [الضحى:10] بل بعض العلماء يرى عمومها في كل سائل: سواء كان سائلاً للمال أو للعلم، قال بعض العلماء: "أي: فلا تزجره ولكن تفضل عليه بشيء أورده بقول جميل"().تفسير الألوسي 23/15.

3 ـ ومن التطبيقات العملية لهذه القاعدة القرآنية، ما أثنى الله به على عباد الرحمن، بقوله: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً} [الفرقان: من الآية63]: يقول ابن جرير ـ رحمه الله ـ في بيان معنى هذه الآية: "وإذا خاطبهم الجاهلون بالله بما يكرهونه من القول، أجابوهم بالمعروف من القول، والسداد من الخطاب"(تفسير الطبري 19/295.
وهم يقولون ذلك "لا عن ضعف ولكن عن ترفع؛ ولا عن عجز إنما عن استعلاء، وعن صيانة للوقت والجهد أن ينفقا فيما لا يليق بالرجل الكريم المشغول عن المهاترة بما هو أهم وأكرم وأرفع"(
ينظر: الظلال 5/330.

ومن المؤسف أن يرى الإنسان كثرة الخرق والتجاوز لهذه القاعدة في واقع أمة القرآن، وذلك في أحوال كثيرة منها:
1 ـ أنك ترى من يدعون إلى النصرانية يحرصون على تطبيق هذه القاعدة، من أجل كسب الناس إلى دينهم المنسوخ بالإسلام، أفليس أهلُ الإسلام أحق بتطبيق هذه القاعدة، من أجل كسب الخلق إلى هذا الدين العظيم الذي ارتضاه الله لعباده.
2 ـ في التعامل مع الوالدين.
3 ـ في تعامل الزوج مع زوجه.
4 ـ مع الأولاد.
5 ـ مع العمالة والخدم.


وقد نبهت آية الإسراء إلى خطورة ترك تطبيق هذه القاعدة، فقال سبحانه: {إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ} [الإسراء: من الآية53]!
وعلى من ابتلي بسماع ما يكره أن يحاول أن يحتمل أذى من سمع، ويعفو ويصفح، وأن يقول خيراً، وأن يقابل السفه بالحلم، والقولَ البذيء بالحسن، وإلا فإن السفه والرد بالقول الردئ يحسنه كل أحد.


وهذه واقعة لأحد دهاقنة العلم وهو الإمام مالك رحمه الله مع الشاعر الذي قضى عليه بحكم لم يرق له، فتهدده بالهجاء، فقال له مالك:
(إنما وصفتَ نفسك بالسفه والدناءة، وهما اللذان لا يعجز عنهما أي أحد، فإن استطعت أن تأتي الذي تنقطع دونه الرقاب فافعل: الكرم والمروءة!()).
انظر: ترتيب المدارك 1/59.

وما أجمل قول المتنبي:
وكل امرئ يولي الجميل محبب *** وكل مكان ينبت العز طيب

الخميس، 12 ديسمبر 2013

أصول المعاصي


بســــــــــــــم الله الـــــــــــرحمن الـــــــــــرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



أصول المعاصي

أصول المعاصي :
يقول الإمام ابن القيم – رحمه الله - :
" أصول المعاصي كلها كبارها وصغارها ثلاثة :
تعلق القلب بغير الله , وطاعة القوة الغضبية , والقوة الشهوانية .
وهي : الشرك , والظلم , والفواحش .
فغاية التعلق بغير الله شرك , وأن يدعي معه إله آخر , وغاية طاعة القوة الغضبية القتل , وغاية طاعة القوة الشهوانية الزنا , ولهذا جمع الله – سبحانه وتعالى – بين الثلاثة في قوله : {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ }الفرقان68 " .
  " الفوائد " (ص106) .
أصول الخطايا :
قال ابن القيم – رحمه الله - :
" أصول الخطايا كلها ثلاثة :
الكِبْرُ : وهو الذي صار إبليس إلى ما أصاره .
والحرص : وهو الذي أخرج آدم من الجنة .
والحسد : وهو الذي جر ابن آدم على أخيه .
فمن وقي شر هذه الثلاثة فقد وقي الشر فالكفر من الكبر والمعاصي من الحرص والبغي والظلم من الحسد " .
من دقائق أبواب الرياء :
قال الإمام ابن رجب الحنبلي – رحمه الله - :
" هاهنا نكتة دقيقة , وهو أن الإنسان قد يذم نفسه بين الناس , يريد بذلك أن يرى الناس أنه متواضع عند نفسه , فيرتفع بذلك عندهم , ويمدحونه به , وهذا من دقائق أبواب الرياء , وقد نبه عليه السلف الصالح " .
 " الفوائد " (ص58) .
قال مطرف بن عبد الله الشخير :
" كفى بالنفس إطراء أن تذمها على الملإ ؛ كأنك أردت بذمها زينتها , وذلك عند الله سفه "  .
معرفة خطورة النفس :
قال الإمام مطرف بن عبد الله الشخير – رحمه الله - :
" وجدت هذا الإنسان ملقى بين الله وبين الشيطان , فإن يعلم الله في قلبه خيرا يحبذه إليه, وإلا يعلم فيه خيرا وكله إلى نفسه , ومن وكل إلى نفسه فقد هلك " .
أسرار الاستجابة :
جاء رجل إلى التابعي الجليل طاوس – رحمه الله – وقال له : " ادع الله لنا " قال : ما أجد لقلبي خشية فأدعو لك" 
 " ذم المال والجاه " (ص48) .
 " الزهد " للإمام أحمد (ص242) .
 " السير " (5/42) .
أفضل قاعدة للتعامل مع النوم :
قال عوض القرني – حفظه الله - :
" أفضل قاعدة في التعامل مع النوم عرفها الإنسان هي : نم مبكراً , واستيقظ مبكراً .
ولقد ثبت علميا أن أفضل أوقات النوم ما كان بعد صلاة العشاء , وأن الساعة من النوم أول الليل تعادل ساعتين من آخره , ولا يقوم مقامها ساعات من نوم النهار "  .
تصبير النفس :
قال الإمام ابن الجوزي – رحمه الله - :
" سار الإمام بشر الحافي , ومعه رجل في طريق , فعطش صاحبه , فقال له : تشرب من هذا البئر ؟ فقال بشر : " اصبر إلى البئر الأخرى , فلما وصل إليها قال له : البئر الأخرى , فما زال يُعللهُ , ثم التفت إليه فقال له : هكذا تنقطع الدنيا ! " .
قال ابن الجوزي – رحمه الله - : " ومن فهم هذا الأصل علل النفس , وتلطف بها , ووعدها الجميل لتصبر على ما قد حملت , كما كان بعض السلف يقول لنفسه : " والله ما أريد بمنعك من هذا الذي تحبين إلا الإشفاق عليك "
" حتى لا تكون كلا " (ص111-112) .
 " صيد الخاطر " (ص99) .
أنزل حاجتك بمن بابه مفتوح لك :
قال عطاء بن أبي رباح – رحمه الله - :
" قال لي طاوس : يا عطاء , ولا تُنزلن حاجتك بمن أغلق دونك أبوابه , وجعل عليه حُجَّابهُ , ولكن أنزلها بمن بابه مفتوح لك إلى يوم القيامة , أمرك أن تدعوه , وضمن لك أن يستجيب لك " .
عليك بهم الدعاء , فإن الإجابة معه :
قال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - :
" إني لا أحمل هم الإجابة , ولكن هم الدعاء ؛ فإذا ألهمت الدعاء , فإن الإجابة معه".
 " صفوة الصفوة " لابن الجوزي (8/288) .
 " الفوائد " لابن القيم (127-128) .
إني لأعلم حين يستجيب لي :
نقل التابعي الجليل ثابت البناني – رحمه الله – عن أحد العُباد قوله : " إني لأعلم حين يستجيب لي ربي – عز وجل - قال : فعجبوا من قوله ! قالوا : تعلم حين يستجيب لك ربك ؟! قال : نعم , قالوا : وكيف تعلم ذلك ؟! قال : إذا وجل قلبي , واقشعر جلدي , وفاضت عيني , وفتح لي في الدعاء ؛ فثم أعلم قد استجيب لي " .
 " صفوة الصفوة " (3/261) .
خوَاءُ القلب :
قال العلامة المناوي – رحمه الله - : " إن الإنسان إذا تعطل عن عمل يشغل باطنه بمباح يستعين به على دينه كان ظاهره فارغا , ولم يبق قلبه فارغا , بل يعشعش الشيطان , ويبيض ويفرخ , فيتوالد فيه نسله توالدا أسرع من توالد كل حيوان , ومن ثم قيل : الفراغ للرجل غفلة , وللنساء غلمة "  .
محاسن طلب الرزق :
قال الإمام البيهقي – رحمه الله - : " بلغنا عن ابن السماك أنه قال : لا تشتغل بالرزق المضمون عن العمل المفروض , وكن اليوم مشغولا بما أنت عنه غدا مسئولا , وإياك والفضول ؛ فإن حسابه طويل " .
 غلمة : الغلمة هيجان شهوة النكاح من المرأة , والرجل , وغيرهما " لسان العرب " (2/1010) .
 " فيض القدير " للمناوي (2/290) .
 " المحاسن والمساوي " للبيهقي (ص323) .
 

الثلاثاء، 10 ديسمبر 2013


بسم الله الرحمان الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
حقائق علمية سبق اليها القران الكريم
..سنعرض فيما يلي حقائق في علم النفس أثبتها العلماء حديثاً والعجيب أننا نجد هذه الحقائق في كتاب الله وسنة رسوله....فكلما اكتشف العلماء حقيقة علمية جديدة كان للقرآن السبق في الإشارة لهذه الحقيقة بما يثبت أن القرآن كلام الله تعالى، لنتأمل هذه الحقائق ونسبح الخالق عز وجل...

1- العلم يطيل العمر
أثبتت دراسة حديثة أن متوسط عمر الإنسان له علاقة بمدة التعليم التي قضاها في حياته. فأصحاب التعليم العالي يتمتعون بعمر أطول ممن قضوا فترة قصيرة في التعلم. وهنا نتذكر اهتمام الإسلام بالعلم حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، وأول كلمة نزلت من القرآن هي (اقرأ)!! يقول تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) [المجادلة: 11].

2 - الانتحار
في كل 40 ثانية هناك شخص ينتحر في مكان ما من هذا العالم! وفي كل عام يموت 700 ألف إنسان بعمليات انتحار مختلفة. ويؤكد العلماء في أحدث أبحاثهم العلمية عن منع الانتحار أنه لا بدّ من تعريف الأشخاص ذوي الميول الانتحارية إلى خطورة عملهم وعواقبه وأنه عمل مؤلم ينتهي بعواقب مأساوية. وهذه الطريقة ذات فعالية كبيرة في منعهم من الانتحار. العجيب أن هذا ما فعله القرآن بالضبط! يقول تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) [البقرة: 29-30]. وقد تبين أن نسبة الانتحار لدى المسلمين قليلة لدرجة تقترب من الصفر، وهذا يدل على عظمة الإسلام في تعاليمه التي تحرم الانتحار بشدة مما ساهم في خفض هذه النسبة، بينما نجد أعلى نسبة للانتحار عند الملحدين!! فالحمد لله على نعمة الإسلام.

3 - الأمل
وجد علماء النفس أن التفكير الإيجابي أهم وأكثر فاعلية في علاج الأمراض من العلاج الطبي! بل إن أطباء الدنيا فشلوا في منح الأمل أو السعادة لإنسان أشرف على الموت، ولكن تعاليم القرآن تمنحنا هذه السعادة مهما كانت الظروف. وانظروا معي إلى الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم وهو على فراش الموت، ماذا فعل؟ هل حزن؟ هل كان يائساً؟ هل كان قلقاً أو مكتئباً أو خائفاً؟ أبداً. لقد قالت ابنته فاطمة رضي الله عنها: (واكرباه) فقال لها (لا كرب على أبيك بعد اليوم)!! انظروا إلى هذا التفاؤل، النبي لحظة الموت كان سعيداً وفرحاً بلقاء ربه، فماذا عنا نحن المؤمنين، هل نقتدي بهذا الرسول الرحيم؟

4- السعادة الحقيقية
إن التعاليم الإيجابية التي يتلقاها الإنسان ويمارسها لها أثر كبير على سعادته وطول عمره أكثر من تأثير الدواء والعناية الطبية! ولذلك فإن القرآن مليء بالتعاليم الإيجابية وهذا يذكرني بقصة سيدنا يعقوب بعدما فقد ابنيه يوسف وأخاه، فلم ييأس من رحمة الله، وانظروا كيف خاطب أبناءه: (وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) [يوسف: 87]. إنها آية مفعمة بالرحمة، ومليئة بالتفاؤل وعدم اليأس، انظروا كيف اعتبر القرآن أن اليأس هو كفر بالله تعالى!! لماذا؟ ليعطينا رسالة قوية بأن اليأس من رحمة الله محرم في الإسلام، وهذا ما مارسه المسلمون الأوائل فمنحهم القوة وفتحوا به الدنيا!

5- الرضا يعالج الأمراض
أدرك علماء النفس حديثاً أهمية الرضا عن النفس وعن الحياة وأهمية هذا الرضا في علاج الكثير من الاضطرابات النفسية، وفي دراسة نشرت على مجلة "دراسات السعادة" اتضح أن هناك علاقة وثيقة بين الرضا وبين السعادة. فالتعامل مع الواقع برضا نفس وقناعة يجعل الإنسان أكثر سعادة، والإنسان الذي يتذمر ولا يرضى بما قسم له من الرزق نجده أكثر تعاسة ويكون نظامه المناعي ضعيفاً. وهذا يفسر لماذا التفكير بالأمراض والخوف والحزن والتفكير السلبي، كل ذلك يزيد من احتمال الإصابة بالأمراض المزمنة! فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أكثر الناس تفاؤلاً برحمة الله، وكان يحضّنا على التفاؤل والرضا وكان يقول: (رضيت بالله ربا وبالإسلام ديناً وبالقرآن إماماً) فمن قالها كان حقاً على الله أن يرضيه يوم القيامة!

6- فوائد التفاؤل
في بحث علمي جديد كشف العلماء أن التفاؤل يزيد من مقاومة الجسم للأمراض ويمنح الإنسان السعادة في حياته. وهذا سلوك نبوي رائع، لأن سيدتنا عائشة رضي الله عنها عندما سئلت عن أخلاق النبي قالت، كان خُلُقُه القرآن، فقد طبق القرآن تطبيقاً كاملاً ولذلك حصل على السعادة الحقيقية، ويجب علينا أن نقتدي به في سلوكنا فتكون أخلاقنا هي القرآن. وحيث يعجز الطب النفسي عن إعطاء الرضا بالواقع نجد القرآن يمنحنا هذا الرضا، يقول تعالى: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) [البقرة: 216]. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل الحسن، فمن الذي علم نبينا هذا السلوك الذي ينادي به علماء الغرب اليوم؟!

7- التفاؤل يطيل العمر
عثر فريق من العلماء على دليل يثبت ما للتفاؤل من محاسن على حياة المرء. فقد توصل فريق من علماء النفس الأمريكيين إلى أن الأشخاص المنشرحي البال المتفائلين في نظرتهم إلى التقدم في السن، يعيشون لمدة أطول من أقرانهم الذين يستبد القلق بهم. الآن تأملوا معي هذه الآية، يقول تعالى: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [آل عمران: 139]. إنها آية تحث المؤمن على السلوك الإيجابي في عدم الوهن وعدم الحزن، ويقول العلماء إن إحساس الإنسان بالوهن يضعف من جهاز المناعة لديه، كذلك شعور الإنسان بالحزن الدائم يسبب له الاضطرابات النفسية المختلفة. لا نملك إلا أن نقول سبحان الله!

8- مساوئ الحزن
تؤكد الدراسات الحديثة أن الحزن يؤثر على صحة الإنسان ويضعف النظام المناعي له! ولذلك فإن القرآن يخبرنا بأن المؤمن لا يحزن أبداً لأن الحزن سلوك سلبي، ولو تأملنا كلمة (تحزن) في القرآن وجدناها مسبوقة بكلمة (لا) دائماً، وهذا يدل على أن المؤمن لا يحزن. وانظروا معي إلى هذه الكلمات النبوية التي جاءت في أصعب الظروف التي مر بها النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الغار: (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) [التوبة: 40]. انظروا كيف علَّم النبي سيدنا أبا بكر رضي الله عنه ألا يحزن... والله إن هذا الكلام لا يصدر إلا من نبي صادق يعلم أنه مرسل من خالق الكون سبحانه وتعالى.

9- الاستغفار
لقد كان نوح يأمر قومه بالاستغفار فكان يقول لهم ويكرّر: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا) [نوح: 10-12]. وهذا يدلّ على أنه من يستغفر الله فإن الله سيعطيه أشياء كثيرة منها: أن الله تعالى سيغفر له ذنوبه. وسوف يرزقه الله المطر لكي ينبت الزرع والثمار والنبات. ويرزقه الله الأموال والأولاد وهذه هي نتيجة الاستغفار، فهل نستغفر الله تعالى ونقول كما علّمنا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: «أستغفر الله العظيم»؟[

10- الاستقرار في الزواج
يؤكد الباحثون في مجال علم النفس على أهمية أن يكون للرجل زوجة، ويقولون إن وجود زوجة بقربه دائماً سوف تخفف التوتر النفسي بشكل كبير وتخفف القلق والإحباط. وفي دراسة حديثة وجدوا أن الرجل عندما يسافر وبخاصة سفراً متكرراً من أجل العمل أو التجارة أو الدراسة، فإن احتمال أن يُصاب بأمراض القلب ينخفض جداً عندما يكون بصحبة زوجته! وجدوا أيضاً أن الرجل المتزوج أكثر قدرة على التركيز والإبداع، أما المرأة المتزوجة فقد وجدوا أنها أكثر قدرة على العطاء، وصدق الله عندما يقول: (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [الروم: 21].

11- الكلمة الطيبة صدقة
يؤكد الباحثون اليوم أن الكلام المليء بالحنان والعاطفة والرفق له تأثير مذهل على الآخرين وبخاصة بين الزوجين، ويخفف إلى حد كبير من المشاكل بينهما. وهناك دراسات علمية تؤكد أن الكلام الطيب يمنح الإنسان نظام مناعة أعلى، ولذلك أخبرنا النبي الأعظم عليه الصلاة والسلام أن الكلمة الطيبة صدقة! فهل نفكر بكل كلمة قبل أن نقولها؟! يقول تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ) [إبراهيم: 24].

12- التعليم المختلط
نشرت جريدة Daily Mail مقالة حول ضرورة فصل الأولاد عن بعضهم في التعليم الابتدائي، فالطريقة التي يعالج بها المعلومات مختلفة عند الجنسين، وقد وجدوا أيضاً أن تركيز الطفل يكون أكبر عندما يوضع مع أطفال من جنسه، أي الأطفال الذكور في صف والأطفال الإناث في صف آخر، وهكذا يكون أداؤهم أفضل علمياً. وقد قام الدكتور Leonard Sax بتأليف كتاب حول هذا الموضوع محاولاً أن يثبت أن التعليم المختلط لا جدوى منه، وأنه يخفض الروح التنافسية ويقلل فرص الإبداع، وأنه من الضروري أن يتم الفصل بين الجنسين منذ المرحلة الأولى قبل المدرسة أي من عمر خمس سنوات. لأن سرعة التعلم تختلف بين الجنسين، وسرعة نضوج كل منهما تختلف أيضاً. وهنا نتذكر تعاليم ديننا الحنيف الذي أوصى بضرورة فصل الجنسين عن بعضهما في التعليم وفي النوم، يقول صلى الله عليه وسلم (وفرِّقوا بينهم في المضاجع). والله تعالى يقول (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى) [آل عمران: 36].

13- العلاج بالفرح
يؤكد بعض الباحثين أن المشاعر الإيجابية قد تؤثر بشكل مباشر على الصحة عن طريق تغيير التوازن الكيميائي في الجسم. وربما كان السبب في هذه الصلة هو أن التوجه المتفائل يساعد في تعزيز صحة الإنسان من خلال ترجيح نجاح هؤلاء الأشخاص في الحياة. ونتذكر قوله تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) [يونس: 58]. فهذه الآية تخبرنا بأن المؤمن يفرح برحمة الله تعالى، هذا الفرح هو نوع من أنواع السلوك الإيجابي وهو نوع من أنواع التفاؤل الذي يمنح المؤمن السعادة وطول العمر ويزيد من مناعة جسده ضد الأمراض. فهل نفرح برحمة الله وفضله؟

14- علاج الغضب
عندما ينفعل الإنسان تحصل في جسمه تغيرات أهمها إفراز هرمون الأدرينالين، وهذا يؤثر على ضربات القلب واضطراب استهلاك الأوكسجين وارتفاع ضغط الدم. هذه الأعراض تزداد حدة عندما يكون الإنسان واقفاً لأن عضلات جسمه تكون مشدودة وهذا يزيد من إفراز الأدرينالين، وإذا ما غضب فجلس أو اضطجع فإن نسبة هذا الهرمون تنخفض. هذا العلاج الطبي الناجح تحدث عنه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع) [رواه أحمد].
-جاء رجل إلى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم فقال له: أوصني، قال: (لا تغضب) فردد مراراً قال: (لا تغضب) [رواه البخاري]. هنالك أبحاث علمية جديدة تثبت صدق كلام النبي وتحذيره، والأخطار الجسيمة التي تنتج عن الغضب والانفعالات النفسية. وعندما يغضب الإنسان يضخ القلب كميات كبيرة من الدم تؤدي إلى ارتفاع الضغط وتكرار هذه الانفعالات مع الزمن قد يؤدي إلى الإصابة بالسرطان والنوبات القلبية. ومن هنا يتضح لنا أهمية نصيحة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (لا تغضب). فهل نقتدي بنبي الرحمة ونعالج هذه الظاهرة؟

15- غض البصر
تؤكد جميع الدراسات أن مشاهدة المناظر الإباحية ينعكس بشكل خطير على صحة الإنسان، وكذلك على حالته النفسية والاجتماعية، وبخاصة على بيته وأسرته وزوجته وقد تؤدي إلى الطلاق والاكتئاب والتوتر النفسي. وقد وجد العلماء أن عدم النظر إلى النساء (غض البصر) يساعد على استقرار عمل القلب واستقرار عمل الدماغ، ويجنب الإنسان الكثير من العلاقات التي تضيّع وقته وماله وجهده. والنظر إلى المحرمات يقود للوقوع في هذه المحرمات وما تسببه من أمراض أقلّها الإيدز! وأمراض أخرى نفسية وجسدية، وهذا ما أمرنا به الله تعالى فقال: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) [النور: 30].

16- البكاء ونعمة الدمع
يقول العلماء إن البكاء مفيد في علاج بعض الاضطرابات النفسية كذلك البكاء ينظف العيون ويساعد على علاج الاكتئاب، والبكاء يخفف أعراض الألم ولذلك فهو نعمة من الله تعالى، يقول تعالى: (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) [الإسراء: 109] .
لقد زود الله عيوننا بجفون ترمش كل عدة ثوان وتحرك السائل في العين لترطب العين وتحميها من الجفاف، وعندما تقل كمية السائل المفرز يشعر الإنسان بجفاف في عينيه وآلام شديدة لا تُحتمل! كذلك تقوم الدموع بغسل العين ووقايتها من الجراثيم وتعقيمها! أما البكاء فقد ذكره الله كصفة جيدة للمؤمنين فقال: (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ) [المائدة: 83].

17- العلاقات الاجتماعية
اكتشف العلماء أن العزلة تؤدي إلى الاكتئاب ونقص المناعة وأمراض القلب، وينصح العلماء بضرورة العلاقات الاجتماعية والتعاون ومساعدة الآخرين للتمتع بحياة سعيدة. ولذلك أمرنا الله تعالى أن نجتمع على ذكر الله وتلاوة القرآن لنتمتع بالحياة السعيدة المطمئنة، يقول تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) [الكهف: 28].

18- التعلم عند الأطفال
يؤكد العلماء أن الأطفال يُخلقون وهم لا يملكون أي نوع من أنواع المعرفة، حيث يبدأ الطفل فور ولادته باكتساب المعلومات عن طريق السمع والبصر وتخزينها في دماغه ومعالجتها وتعلم مهارات جديدة باستمرار. وهذه الحقيقة ذكرها القرآن قبل 14 قرناً، يقول تعالى: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [النحل: 78].

19- صحة القلب
أثبتت الدراسات العلمية الحديثة أن التوتر النفسي والضغوط والغضب تعتبر عوامل مدمرة لصحة الإنسان وقلبه وقد تؤدي إلى أمراض خطيرة مثل السرطان! وأفضل طريقة لعلاج هذه الضغوط أن نعفو عن الناس ولذلك يقول تعالى: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) [الشورى: 40]. وقد وجدت دراسة حديثة أن عدد المصابين بالاكتئاب في الولايات المتحدة الأمريكية يبلغ أكثر من 30 مليون أمريكي، والسبب الأساسي لهذه الظاهرة هو اليأس ونقول: إن المسلم هو أبعد الناس عن الاكتئاب والحزن واليأس ولذلك قال تعالى: (إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) [يوسف: 87].

20- الحزن والموت
وجد العلماء أن غياب السعادة يزيد من أمراض القلب والأوعية الدموية ويدفع إلى الانتحار. وسبب ذلك الابتعاد عن تعاليم الدين الإسلامي، ولذلك يبشر الله كل مؤمن بأنه لن يحزن أبداً مادام يلتزم بالإيمان بالله والأعمال الصالحة، يقول تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [البقرة: 277].

الاثنين، 2 ديسمبر 2013

مناظرةٌ بين القلب والعين

بســم الله الرحــمن الرحـــيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


  أقوى مناظرة ( مناظرةٌ بين القلب والعين ولومُ كلّ منهما صاحبَه ) !

مناظرةٌ منْ أقوى ما قرأتُ وما سمعتُ ... سارتْ بها الركبان على مدى الأزمان ...
هي للإمام الحبر ..البحر .. ابن قيّم الجوزيّة _ رحمه الله _ وقدّس روحهُ ...
من كتابه ( روضة المحبّين ونزهة المُشتاقين )
وعنوانها : ( مناظرةٌ بين القلب والعين ولومُ كلّ منهما صاحبَه)
بسمِ اللهِ نبدأ ......
"لمّا كانَتْ العينُ رائداً والقلب باعثاً وطالباً , وهذه لها لذةُ الرؤية , وهذا له لذةُ الظّفَرِ كانا في الهوى شريكي عنان , ولمّا وَقَعَاْ فِي العَناءِ واشتركا في البَلاء أقْبَلَ كلّ منْهُما يلوم صاحبه ويعاتبُهُ ..
فقالَ القلبُ للعينِ : أنتِ التي سقتني إلى مَواردِ الهَلَكات وأوقعتِني في الحسراتِ بمُتابعتكِ اللّحَظاتِ , ونزّهتِ طرفَكِ في تلكَ الرّياض , وطلبْتِ الشّفاءَ مِنَ الحدقِ المِراض , وخالفْتِ قولَ أَحْكَمِ الحَاكِمينَ : قُلْ للْمُؤْمِنِينَ , وقولَ رسولِهِ : النّظَرُ إلى المَرأةِ سَهْمٌ مَسْمومٌ منْ سِهامِ إبْليسَ فَمنْ تركَهُ مِنْ خوْفِ الله _عزّ و جلّ_ أثابَهُ اللهُ إيماناً يجدُ حلاوتَهُ في قلبه رواه الإمام أحمد ,حدثنا هشيم حدثنا عبدالرحمن بن إسحاق عن محارب بن دثار عن صلة عن حذيفة ...
وقال عمر بن شبة حدثنا أحمد بنُ عبدِالله بنُ يونسَ حدّثنا عِنبسة بنُ عبدِالرحمن القرشيّ حدّثنا أبو الحسن المَدنيّ حدّثنا عليّ بنُ أبي طالبٍ _رضي الله عنه_ قال: قال رسول الله : نظر الرجل في محاسن المرأة سهم مسمومٌ منْ سهامِ إبْليسَ مسموم فمن أعرضَ عنْ ذلكَ السّهمِ أعقبَهُ اللهُ عبادةً تسرُّهُ ....فمن الملوم سوى منْ رمى صاحبَه بالسهم المسموم .
أو ما علمتِ أنّه ليسَ شيءٌ أضرّ على الإنسانِ منَ العينِ واللّسانِ.
فما عَطِبَ أكثرَ منْ عَطِبْ إلاّ بِهما , وما هَلَكَ أكثرَ منْ هلَكَ إلّا بسبَبهما, فللهِ كمْ مِنْ موردٍ هَلَكَةٍ أورَدَاهُ ومصدرِ رَدىً عنْه أصدراهُ ...فمنْ أحبّ أنْ يَحيَا سعيداً أو يعيشَ حميداً ؛ فليَغُضّ منْ عنانِ طَرْفِهِ ولسانِه ,ليسلم من الضّرَرِ فإنّه كامنٌ في فضولِ الكلامِ وفُضولِ النّظَرِ . وقدْ صرّحَ الصادقُ المَصدوقُ بأنّ العَينينِ تزْنيانِ وهُما أصلُ زِنَى الفرْجِ ؛ فإنّهما له رائدانِ وإليه داعيان وقدْ سُئِلَ رسولُ اللهِ عن نظرةِ الفجأة فأمرَ السائلَ أنْ يصْرفَ بصرَهُ . فأرشدَهُ إلى ما ينفَعُهُ ويدْفعُ عنهُ ضَرَرهُ وقالَ لابنِ عمّه عليّ _ رضي الله عنه _ مُحذراً له مما يوقع في الفتنة ويورثُ الحسرةَ لا تُتْبِعِ النّظرةَ النظرة.
أوما سمعتِ قولَ العُقلاء ( من سرح ناظرَهُ أتعَبَ خاطِرَهُ ومنْ كَثُرَتْ لحظاتُهُ دامَتْ حَسَرَاْتُهُ وضَاعَتْ عَلَيْهَ أوقاتُهُ وفَاضَتْ عَبَرَاْتُهُ ) .
وقول الناظم :
نظرُ العُيونِ إلى العيونِ هوَ الّذي ... جَعَلَ الهلاكَ إلى الفُؤادِ سَبِيلاْ
مــاْ زالـتِ اللّحَـــظـاتُ تَـغْزُو قلْبَهُ ... حَتّى تَشَحَّــطَ فِيـــهنَّ قَتِــيـلاْ

وقال آخر :
تمتعتما يا مقلتيَّ بنَظرةٍ ... وأوردتُما قَلبِي أمرَ المَواردِ
أَعَيْنَيَّ كُفّا عنْ فؤادِي فإنّه ... منْ الظّلمِ سَعىُ اثنين في قتْلِ واحدِ
( فَصْـــلٌ )
قالتْ العينُ : ظَلمْتَنِي أولاً وآخراً وبُؤتَ بإثْمِي باطناً وظاهراً وما أنا إلا رسولُكَ الدّاعِي إليكَ ورائِدُكَ الدّال عليكَ
وإذا بعثْتَ برائدٍ نحوَ الّذي ... تهوى وتعتبه ظلمتَ الرّائدا
"فأنتَ الملِكُ المُطاع ونحنُ الجُنودُ والأتْباعُ , أركبتني في حاجتِك خيْلَ البَريدِ ثمّ أقبلْتَ عليّ بالتّهْديدِ والوَعيدِ , فلو أمرتَنِي أنْ أُغْلِقَ عليَّ بابِي وأرخِي عليّ حِجابِي ؛ لسمعتُ وأطعْتُ ولما رعيْتُ في الحمى ورَتَعْتُ , أرسلتني لصيد قد نُصِبَتْ لك حبائِلُهُ , وأشراكُه واستدارت حولَكَ فخَاخُه وشباكُه , فغدوتَ أسيراً بعدَ أنْ كنْتَ أميراً وأصبحتَ مملوكاً بعد أنْ كنت مليكاً .
هذا وقد حكم لي عليك سيّدُ الأنامِ وأعدل الحكّام _ عليه الصّلاةُ والسّلام _حيثُ يقولُ: إنّ في الجسد مضغةً إذا صَلَحتْ صَلحَ لها سائرُ الجسدِ وإذا فسدتْ فسدَ لها سائر الجسدَ ألا وهي القلبُ .
وقال أبو هريرة _رضي الله عنه_ : ( القلبُ ملكٌ , والأعضاءُ جنودُه فإنْ طابَ الملكُ ؛ طابَتْ جنُودُه وإذا خَبُثَ الملكُ خبثتْ جنوده ).
ولو أنْعمتَ النّظرَ لعلمتَ أنّ فسادَ رعيتِكَ بفسادِك , وصلاحُها ورشدُها برشادِكَ ولكنّك هلَكْتَ وأهلَكْتَ رعيّتَكَ , وحملت على العين الضّعيفةِ خطيئَتَكَ وأَصْلُ بليّتِكَ أنّه خَلا مِنْكَ حبّ اللهِ وحبّ ذكره وكلامه وأسمائه وصفاته وأقبلْتَ على غَيْرِهِ وأعرضْتَ عنْه وتعوضّتَ بحبّ منْ سواهُ والرّغبة فيه منه
هذا وقد سمعت ما قصّ عليكَ منْ إنكارِهِ سُبحانَهُ على بني إسرائيلَ استبدالَهُمْ طعاماً بطعامٍ أدْنى منه ؛ فذمّهُمْ على ذَلك ونَعاهُ عليْهِم , وقال : أَتَسْتَبْدِلُوْنَ اْلّذِي هُوَ أَدْنَى بِالّذِي هُوَ خَيْرٌ
فكيْفَ بمنْ استبدَلَ بمحبّةِ خَالِقِهِ وَفاطرِه ووليِه ومالِك , أمرَهُ الّذي لا صَلاحَ لهُ ولا فَلاحَ ولا نعيمَ ولا سُرورَ ولا فرْحةَ ولا نجاةَ إلا بأنْ يوحدَهُ في الحبِّ , ويكون أحبّ إليه ممّا سواه ...
فانُظرْ باللهِ بمنْ استبدلتَ وبمحبّةِ منْ تعوضتَ .... رضيتَ لنفسِكَ بالحبْسِ في الحُشِ وقلوبُ محبّيهِ تجولُ حولَ العرْشِ , فلو أقبلْتَ عليهِ وأعرضْتَ عمّنْ سواهُ لرأيتَ العجائبَ ولأمنْتَ منَ المَتالِفِ والمَعاطِب , أوما علمْت أنّه خُصّ بالفوز والنّعيمِ منْ أتاهُ بقلبٍ سَلٍيمٍ ؛ أيْ: سليمٍ ممّا سواهُ ليسَ فيه غيرَ حبّه واتّباع رضاهُ ...
قالتْ : وبينَ ذَنبِي وذنْبك عندَ الناس كما بينَ عَمايَ وعَماكَ في القياسِ, وقدْ قالَ من بيده أزمّة الأمورِ فإنّها لا تَعْمَى الأَبْصَاْرُ وَلكِنْ تَعْمَى القلوبُ التّي فِي الصُّدُور.
( فَصْـــــلٌ)
فلمّا سَمعَتْ الكبِدُ تحاورَهُما الكلامَ ,وتَناولَهما الخِصامَ قالتْ : أنتما على هلاكي تساعَدْتُمَاْ وَعلى قَتْلِي تعاونْتُما ولقدْ أنْصَفَ مَنْ حَكى مُنَاظَرتَكما وعلى لساني مُتظلماً منكما :
يقولُ طرْفِي لِقَلبي هِجْتَ تلي سقماً ... والعينُ تزعم أنّ القلبَ أنْكاها
والجســـمُ يشـــهدُ أنّ العينَ كــــاذبةٌ ... وهي التي هيّجتْ للقلبِ بَلواها
لولا العيـــــــــونُ وما يَجْنِينَ منْ سَقَمٍ ... ما كنْت مطرحاً من بعضِ قتلاها
فقالت الكبـــــــــــــــدُ المظلومةُ اتّـئِــدا ... قـــطّـعْـتُـمَـاْنِي وَمَاْ راقبْتُما اللهَ
وقال آخرُ :
يقول قلبي لطرفي أنْ بكى جزعاً ... تبْكِي وأنتَ الّذي حمّلتَنِي الوَجَعا
فقــال طــرفي لـــــــهُ فيما يعاتبه ... بل أنـْـتَ حمّلتَنِي الآمــالَ والطَمعا
حتــــــى إذا ما خلا كلٌّ بصاحِبِهِ ... كلاهما بطويلِ السَقــــم قـدْ قـــنعا
نادتْهُما كَبِــــدي لا تبعدا فلقدْ ... قطعــــتماني بمـــــا لاقيـــتـــما قطعا
ثمّ قالتْ : أنا أتوّلى الحُكمَ بينَكُما . أنتُما في البليّة شريكا عنَان كمَا أنّكُمَا في اللّذةِ والمسرّةِ فَرَسا رِهان فالعينُ تلتذّ والقلبُ يَتَمنّى ويَشْتَهِي
ولهذا قال فيكما القائلُ:
ولمّا سلوتُ الحُبّ بَشّر ناظِري ... لقلبي فقالَ القلبُ لي ولكَ الهنا
تخَلصتُ منْ إحياء ليلِكَ ساهراً ... وخلصتَنِي منْ لوعةِ الهَجْرِ والضَّنا
كلانا مــهـــنا بالبـــقاء فإنْ تعُدْ ... فلا أنـــــت يـــُبــقيــك الغرامُ ولا أنا
وإنْ لمْ تُدرككما عنايةُ مقلِّب القُلوبِ والأبْصارِ وإلّا فَما لَك مِنٍ قرةٍ ولا للقلبِ من قَرارٍ
قالَ الشّاعرُ :
فوالله ما أدْرِي أنَـــفْسِـــي ألــــــــومُها ... على الحبِّ أمْ عَينِي المشومة أمْ قلبي
فإنْ لمتُ قلبِي قال لي العينُ أبصَرَتْ ... وإنْ لمتُ عَيْنِي قالتْ الذنبُ للقلبِ
فعيني وقلبي قد تقاسمتُما دَمِي ... فيا ربّ كُنْ عوناً على العينِ والقلبِ
قالت: "هذه ولمّا سقيتِ القلبَ ماءَ المحبّةِ بكُؤوسِكِ أوقدْتِ عليهِ نارَ الشّوْقِ فارتفعَ إليكِ البُخارُ فتَقاطَرَ منْكِ فشَرِقْتِ بشربِه أولاً وشرقْت بحرَ نارِهِ ثانياً ."
قال :
خُذِي بِيَدي ثمّ اكشِفِي الثّوبَ فانْظُري ... ضَنى جسدي لكنّني أتستّرُ
وليسَ الّذِي يَجْرِي منْ العينِ مـــــاؤُها ... ولكنّــــهـــا روحٌ تذوبُ فَتَــقْطٌرٌ
قالت: "والحاكمُ بينَكُما الّذي يحْكُمُ بينَ الرّوحِ والجَسَدِ إذا اخْتَصَماْ بينَ يَدَيْهِ فإنّ في الأثَرِ المَشْهورِ : لا تزالُ الخُصومةُ يوم القيامةِ بينَ الخلائِقِ حتّى تَخْتَصِمَ الروحُ والجسدُ .
فيقولُ الجسدُ للروحِ : أنْت الّذي حركتني وأمرتني وصرفتني وإلّا فأنا لمْ أكنْ أتحرّكُ ولا أفعلُ بدونك .
فتقولُ الروحُ له :وأنتَ الّذي أكلتَ وشربْتَ وباشرْتَ وتنعّمتَ ,فأنتَ الّذي تستحقُّ العقوبةَ.
فيرسلُ اللهُ سُبْحانَهٌ إليهِما ملَكاً يحكمُ بينهما فيقولُ : مثلُكما مثلُ مُقْعَدٍ بَصيرٍ ,وأعْمى يمشي ؛دَخَلا بستاناً .
فقال المُقعدُ للأعمى: أنا أرى ما فيه منَ الثّمارِ ولكنْ لا أستَطيع القيامَ .
وقالَ الأعمى: أنا أستطيعُ القيامَ ولكنْ لا أبْصرُ شيئاً .
فقال له المقعد: تعالَ فاحْملنِي فأنتَ تَمشِي وأَنا أتَناولُ .
فعلى من تكون العقوبة؟
فيقولا عليهما !.
قالَ: فكذلِكَ أنتُمَاْ. "اهــ

البكاء يغسل أدران القلوب

بســم الله الرحــمن الرحـــيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
 
البكاء يغسل أدران القلوب :

إنها حقيقة لا مراءفيها، فالبكاء من خشية الله تعالى يلين القلب ، ويذهب عنه أدرانه، قاليزيد بن ميسرة رحمه الله : " البكاء من سبعة أشياء : البكاء من الفرح ،والبكاء من الحزن ، والفزع ، والرياء ، والوجع ، والشكر ، وبكاء من خشيةالله تعالى ، فذلك الذي تُطفِئ الدمعة منه أمثال البحور من النار ! " .

وقد مدح الله تعالى البكائين من خشيته،وأشاد بهم في كتابه الكريم: (إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهميخرون للأذقان سجدا. ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا. ويخرونللأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا) [الإسراء 107-109].

البكاء شيء غريزي:

نعم هذه هي الفطرة فالإنسان لا يملك دفعالبكاء عن نفسه ، يقول الله تعالى: ( وأنّه هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى ) [ النجم / 43 ] قال القرطبي في تفسيرها : " أي : قضى أسباب الضحك والبكاء ،وقال عطاء بن أبي مسلم : يعني : أفرح وأحزن ؛ لأن الفرح يجلب الضحك والحزنيجلب البكاء...



أنواع البكاء:

لقد ذكر العلماء أن للبكاء أنواعا ومن هؤلاء الإمام ابن القيم رحمه تعالى إذ ذكر عشرة أنواع هي:

-
بكاء الخوف والخشية .

-
بكاء الرحمة والرقة .

-
بكاء المحبة والشوق .

-
بكاء الفرح والسرور .

-
بكاء الجزع من ورود الألم وعدم احتماله .

-
بكاء الحزن .... وفرقه عن بكاء الخوف : أن الأول -" الحزن " - يكون علىما مضى من حصول مكروه أو فوات محبوب وبكاء الخوف : يكون لما يتوقع فيالمستقبل من ذلك ، والفرق بين بكاء السرور والفرح وبكاء الحزن أن دمعةالسرور باردة والقلب فرحان ، ودمعة الحزن : حارة والقلب حزين ، ولهذا يقاللما يُفرح به هو " قرة عين " وأقرّ به عينه ، ولما يُحزن : هو سخينة العين، وأسخن الله به عينه .

-
بكاء الخور والضعف .

-
بكاء النفاق وهو : أن تدمع العين والقلب قاس .

-
البكاء المستعار والمستأجر عليه ، كبكاء النائحة بالأجرة فإنها كما قالأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه : تبيع عبرتها وتبكي شجو غيرها .

-
بكاء الموافقة : فهو أن يرى الرجل الناس يبكون لأمر فيبكي معهم ولا يدري لأي شيء يبكون.




فضل البكاء من خشية الله:



إن للبكاء من خشية الله فضلا عظيما ، فقدذكر الله تعالى بعض أنبيائه وأثنى عليهم ثم عقب بقوله عنهم: ( إذا تتلىعليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا ) [مريم58].

وقال تعالى عن أهلالجنة : { وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ . قَالُواإِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ . فَمَنَّ اللَّهُعَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ . إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُنَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ } [ الطور 25 – 28 ]

أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قال: " لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع " .

وقالَ: " سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلاظلُّهُ..."وفي آخره:" ورَجُلٌ ذَكَرَ اللَّه خالِياً فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ " .

وقال " عينان لا تمسهما النار ، عين بكت من خشية الله ، وعين باتت تحرس في سبيل الله ".

وقال النبي صلىالله عليه وسلم : " ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين وأثرين : قطرة من دموعخشية الله ، وقطرة دم تهراق في سبيل الله ، وأما الأثران : فأثر في سبيلالله ، وأثر في فريضة من فرائض الله ".وكان السلف يعرفون قيمة البكاء منخشية الله تعالى،فهذا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول : " لأن أدمعمن خشية الله أحب إلي من أن أتصدق بألف دينار ! " .

وقال كعب الأحبار : لأن أبكى من خشية الله فتسيل دموعي على وجنتي أحب إلى من أن أتصدق بوزني ذهباً.


بكاء النبي صلى الله عليه وسلم:

عَن ابن مَسعودٍ - رضي اللَّه عنه – قالَ : قال لي النبيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم : " اقْرَأْ علي القُرآنَ " قلتُ : يا رسُولَ اللَّه ، أَقْرَأُ عَلَيْكَ ،وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ ؟ ، قالَ : " إِني أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْغَيْرِي " فقرَأْتُ عليه سورَةَ النِّساء ، حتى جِئْتُ إلى هذِهِ الآية : ( فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّة بِشَهيد وِجئْنا بِكَ عَلىهَؤلاءِ شَهِيداً ) [ النساء / 40 ] قال " حَسْبُكَ الآن " فَالْتَفَتُّإِليْهِ ، فَإِذَا عِيْناهُ تَذْرِفانِ .

ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يحفرون قبرا لدفن أحد المسلمينوقف على القبر وبكى ثم قال : " أي إخواني، لمثل هذا فأعدوا " .

أما عبد اللَّه بنِ الشِّخِّير - رضي اللَّه عنه – فيقول : أَتَيْتُرسُولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وَهُو يُصلِّي ولجوْفِهِأَزِيزٌ كَأَزِيزِ المرْجَلِ مِنَ البُكَاءِ .

وقد روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: زار النبي قبر أمه فبكى وأبكى من حوله..." الحديث.

وقام ليلة يصلي فم يزل يبكي ، حتى بل حِجرهُ !

قالت عائشة : وكان جالساً فلم يزل يبكي صلى الله عليه وسلم حتى بل لحيته !

قالت : ثم بكى حتى بل الأرض ! فجاء بلاليؤذنه بالصلاة ، فلما رآه يبكي ، قال : يا رسول الله تبكي ، وقد غفر اللهلك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟! قال : " أفلا أكون عبداً شكورا ؟! لقدأنزلت علي الليلة آية ، ويل لم قرأها ولم يتفكر فيها ! (إِنَّ فِي خَلْقِالسَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ …) الآية.




بكاء الصحابة رضي الله عنهم:



لقد رأينا شيئا من بكائه صلى الله عليه وسلموقد تعلم الصحابة رضي الله عنهم من نبيهم البكاء فعن أنس رضي الله عنه قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط فقال : " لوتعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيراً " ، فغطى أصحاب رسول الله صلىالله عليه وسلم وجوههم ولهم خنين ، وفي رواية : بلغَ رسولَ الله صلى اللهعليه وسلم عن أصحابه شيء فخطب فقال : " عرضت عليَّ الجنة والنار فلم أركاليوم من الخير والشر ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيراً " فما أتى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أشد منه غطوا رؤوسهمولهم خنين " . والخنين : هو البكاء مع غنّة .

و كان عثمان إذا وقفعلى قبر ؛ بكى حتى يبل لحيته ! فقيل له : تذكر الجنة والنار فلا تبكي ،وتبكي من هذا ؟! فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن القبرأول منزل من منازل الآخرة ، فإن نجا منه ، فما بعده أيسر منه ، وإن لم ينجمنه ؛ فما بعده أشد منه ! " قال : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما رأيت منظراً قط إلاّ القبر أفظع منه ! ".

وبكى أبو هريرة رضي الله عنه في مرضه . فقيلله : ما يبكيك ؟! فقال : " أما إني لا أبكي على دنياكم هذه ، ولكن أبكيعلى بُعد سفري ، وقلة زادي ، وإني أمسيت في صعود على جنة أو نار ، لا أدريإلى أيتهما يؤخذ بي !! " .

وبكى معاذ رضي الله عنه بكاء شديدا فقيل لهما يبكيك ؟ قال : لأن الله عز وجل قبض قبضتين واحدة في الجنة والأخرى فيالنار ، فأنا لا أدري من أي الفريقين أكون .

وبكى الحسن فقيل له : ما يبكيك ؟ قال : أخاف أن يطرحني الله غداً في النار ولا يبالي .

وعن تميم الداري رضى الله عنه أنه قرأ هذهالآية : ( أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملواالصالحات ) [ الجاثية / 21 ] فجعل يرددها إلى الصباح ويبكي .

وكان حذيفة رضي الله عنه يبكي بكاءً شديداً ، فقيل له : ما بكاؤك ؟ فقال : لا أدري على ما أقدم ، أعلى رضا أم على سخط ؟ .

وأُتي عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يومابطعامه فقال : قتل مصعب بن عمير وكان خيراً مني فلم يوجد له ما يكفن فيهإلا بردة ، وقتل حمزة – أو رجل آخر – خير مني فلم يوجد له ما يكفن فيه إلابردة ، لقد خشيت أن يكون قد عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا ، ثم جعليبكي .

وكان ابن مسعود يمشي فمَّر بالحدَّادين و قدأخرجوا حديداً من النار فقام ينظر إلى الحديد المذاب ويبكي . وكأنه رضيالله عنه تذكر النار وعذاب أهلها حين رأى هذا المشهد .

وخطب أبو موسى الأشعري رضي الله عنه مرةالناس بالبصرة : فذكر في خطبته النار ، فبكى حتى سقطت دموعه على المنبروبكى الناس يومئذ بكاءً شديداً .

وعن نافع قال : كان ابن عمر إذا قرأ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ) [ الحديد / 16 ] بكى حتى يغلبه البكاء .

وقال مسروق رحمه الله : " قرأت على عائشةهذه الآية : ( فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ ) [ الطور / 27 ] فبكت ، وقالت: " ربِّ مُنَّ وقني عذاب السموم " .
وهذا عبد الله بن رواحة رضي الله عنه كان واضعاً رأسهفي حجر امرأته فبكى فبكت امرأته فقال ما يبكيك فقالت رأيتك تبكي فبكيت قالإني ذكرت قول الله عز وجل { وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَعَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً } [ مريم / 71 ] فلا أدري أأنجو منه أملا .

وعن أنس بن مالك أن نبي الله صلى الله عليهوسلم قال لأبيِّ بن كعب : "إن الله أمرني أن أقرئك القرآن" قال أاللهسماني لك ؟ قال :" نعم" ، قال : وقد ذُكرت عند رب العالمين ؟ قال : "نعم" ، فذرفت عيناه - وفي رواية : فجعل أبيٌّ يبكي -.

وقد تربى السلف الصالح على هذه المعاني العظيمة فرأينا منهم عجبا:

فهذا إسماعيل بنزكريا يروي حال حبيب بن محمد - وكان جارا له – يقول : كنت إذا أمسيت سمعتبكاءه وإذا أصبحت سمعت بكاءه ، فأتيت أهله ، فقلت ما شأنه ؟ يبكي إذا أمسى، ويبكي إذا أصبح ؟! قال : فقالت لي : يخاف والله إذا أمسى أن لا يصبح وإذا أصبح أن لا يمسي .

وحين سئل عطاء السليمي : ما هذا الحزن قال : ويحك ،الموت في عنقي ، والقبر بيتي ، وفي القيامة موقفي وعلى جسر جهنم طريقي لاأدري ما يُصنَع بي .

وكان فضالة بن صيفي كثير البكاء ، فدخل عليه رجل وهو يبكي فقال لزوجته ما شأنه ؟ قالت : زعم أنه يريد سفراً بعيداً وماله زاد .

وقرأ رجل عند عمر بن عبد العزيز وهو أمير علىالمدينة : ( وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَدَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا ) [ الفرقان : 13 ] فبكى حتى غلبه البكاء ،وعلا نشيجه ! فقام من مجلسه ، فدخل بيته ، وتفرَّق الناس .

وأخيرا فقد قال أبو سليمان رحمه الله : عودوا أعينكم البكاء وقلوبكم التفكر.

من فوائد البكاء من خشية الله :

-
أنه يورث القلب رقة ولينا

-
أنه سمة من سمات الصالحين

-
أنه صفة من صفات الخاشعين الوجلين أهل الجنة.

-
أنه طريق للفوز برضوان الله ومحبته.