السبت، 17 أكتوبر 2015

أحبتي في الله

بسم الله الرحمن الحيم
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

 أحبتي في الله ..
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته وبعد /
فكل عام وأنتم بخير ، وكل عام وأنتم إلى الله أقرب ..
أخط لكم هذه الكلمات ، وأملي في الله أن ينفعني وإياكم بها ..
فأقول وبالله التوفيق ..
ها قد عشنا هذا العام وعشنا اللحظات بكل مافيها من أفراح وأحزان ، وصحة ، وأسقام ولكن هل نتذكر اليوم ما قد فعلناه في بداية العام ؟ هل نذكر زلاتنا الصغيرة ، وذنوبنا الكبيرة ؟ هل نذكر في أي يوم قد أخرنا صلاة مكتوبة أو حتى ضيعناها ؟ هل نذكر أي شيء قد عملناه قبل ( ثلاثمائة وخمسة وخمسين يوما ) ؟ طبعا : لا ، فكل ما نتذكره هو أياما معدودة ، لنا فيها ذكريات إما حسنة ، أو سيئة ، ولكن لا نتذكر شيئا قد عملناه أو حتى تركناه من واجباتنا وسننا ..
هنا تكمن المشكلة أننا ننسى ، وننسى أن الله لا ينسى ..

عجبا لنا أحبتي في الله ، كيف نحيا هذه الحياة الطويلة في لهو وغفلة ، ولا نجد من يردعنا .. أهذا ضعف في إيماننا ، أم أننا نحسب أننا مخلدين في هذه الدنيا ..

كل يوم نرى ونسمع بأن فلانا قد فارق الحياة ، نبكي عليه برهة ، ويصحبنا الحزن عليه ساعة ثم نترحم عليه بضعة أيام ، وننظر له وقد فارق الحياة ، وكأنه هو فقط قد كتب الله له الموت أما نحن الذين نبكي عليه فمخلدون !

لماذا نحن في غفلة ، أهذا ضعف في الإيمان ؟ أم لأننا لا نرى رقيبا وعتيدا ؟
مع أننا نتلو القرآن ليلا ونهارا ، ونقرأ آيات الله في كل مكتوبة ..
دائما نقرأ قول الله تعالى { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعيد * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } ( ق / 16- 18 )

أحبتي في الله ..
فلنجدد النية مع بداية هذا العام الجديد ، ولنقف مع أنفسنا هذه الليالي الأخيرة من هذا العام وقفة محاسبة ومعاتبة ، ولنبك على ما ضيعناه من الخير في ليالينا ، ولنفرح بما قدمناه من الخير وندعو الله أن يتقبل منا صالح أعمالنا ، ويغفر زلاتنا ، ، ولنضع حدا للهو واللعب ..

قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه " حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا ، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا ، فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ فِي الْحِسَابِ غَدًا أَنْ تُحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الأَكْبَرِ { يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ ، لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ } ( الحاقة / 18 ) .

أحبتي في الله ..
هذه بعض الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة وأقوال السلف ، التي أحببت أن أذكركم ونفسي بها في هذه الرسالة
قال تعالى { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرنَكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرنّكُم باللَّهِ الْغَرُورُ } ( فاطر / 5 ) .
قال صلى الله عليه وسلم " إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى ، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا ، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ " ( صحيح البخاري )

يؤيد هذا الحديث قصة الرجل الذي قتل مائة نفس ، ثم تاب الله عليه ، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا ، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ ، فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ فَأَتَاهُ ، فَقَالَ : إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ ؟ ، فَقَالَ : لَا ، فَقَتَلَهُ ، فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً ، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ ، فَقَالَ : إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ ؟ ، فَقَالَ : نَعَمْ ، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا ، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدِ اللَّهَ مَعَهُمْ ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ ، فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ ، فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ : جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ ، وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ : إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ ، فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ ، فَقَالَ : قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ ، فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ ، فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ ، فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ " ( صحيح مسلم )

فهذه القصة تدل على أن من اتقى الله وأحسن النية قَبِل الله منه ، فالتقوى وإخلاص النية من شروط التوبة وقبول العمل الصالح لقوله تعالى { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ } ( المائدة / 27 ) .
وقال تعالى { فأما من طغى * وآثر الحياة الدنيا * فإن الجحيم هي المأوى * وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي المأوى } ( النازعات / 37-41 ) .

ويقول الحسن رحمه الله تعالى عند قوله تعالى { لا أقسم بيوم القيامة * ولا أقسم بالنفس اللوامة } ( القيامة / 1-2 ) ( إن المؤمن والله لا نراه إلا وهو يلوم نفسه ما أردتُ بكلمتي ما أردتُ بأكلتي ما أردتُ بحديث نفسي ، أما الفاجر فيمضي قُدُمًا قُدُمًا لا يعاتب نفسه )
فمحاسبة النفس ، والخلوة الإيمانية بين العبد ونفسه ، تجعل المؤمن يزداد إيمانا ، ويلين قلبه ،
خاصة وإن اختلط بذلك ندم وبكاء ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " عَيْنَانِ لا تَمَسُّهُمَا النَّارُ ، عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ، وَعَيْنٌ نَامَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " ( حسنه الترمذي ) .
وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله... وذكر منهم " ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه " .

وعَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : وهل نؤاخذ بما تكلمت به ألسنتنا ؟ فضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخذ معاذ ، ثم قال : " يا معاذ ، ثكلتك أمك - أو : ما شاء الله أن يقول له من ذلك - ، وهل يكب الناس على مناخرهم في جهنم ، إلا ما نطقت به ألسنتهم ؟ فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا ، أو ليسكت عن شر ، قولوا خيرا تغنموا ، واسكتوا عن شر تسلموا " ( حديث صحيح على شرط الشيخين كما في المستدرك )
وكان الصحابة يحاسبون أنفسهم ، دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه على أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهو يزجر لسانه فقال له عمر : مه ما هذا الذي تفعله يا أبا بكر ؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه : إن هذا أوردني المهالك .

وكتب عُمَرُ بْن الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، إِلَى بَعْضِ عُمَّالِهِ ، فَكَانَ فِي آخِرِ كِتَابِهِ " أَنْ حَاسِبْ نَفْسَكَ فِي الرَّخَاءِ قَبْلَ حِسَابِ الشِّدَّةِ ، فَإِنَّهُ مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ فِي الرَّخَاءِ قَبْلَ حِسَابٍ فِي الشِّدَّةِ ، عَادَ مَرْجِعُهُ إِلَى الرِّضَا وَالْغِبْطَةِ ، وَمَنْ أَلْهَتْهُ حَيَاتُهُ ، وَشَغَلَتْهُ أَهْوَاؤُهُ ، عَادَ أَمْرُهُ إِلَى النَّدَامَةِ وَالْحَسْرَةِ ، فَتَذَكَّرْ مَا تُوعَظُ بِهِ ، لِكَيْمَا تُنْهَى عَمَّا يَنْهَى عَنْهُ ، وَتَكُونَ عِنْدَ التَّذْكِرَةِ وَالْعِظَةِ مِنْ أُولِي النُّهَى " .
فلنجعل عامنا المقبل هذا عاما محمودا بأعمالنا ، ولنجعل لأنفسنا كل ليلة ساعة قبل النوم نراجع فيها حساباتنا ، حتى نجعل يومنا التالي أفضل ..
وهذا أحد الشعراء يقف محاسبا نفسه قائلا ..

فَقُلْتُ لِنَفْسِـيْ وَالدُّمُـوعُ غَزِيْـرَةٌ ** أَنَفْسِيْ مَتَـى عَنْكِ الْغِـوَايَـةُ تَنْجَـلِيْ
فَحَتَـامَ لَمْ تَسْمَـعْ لِقَـوْلَةِ نَاصِـحٍ ** وَلَـمْ تَلْتَـزِمْ فِـي حَيِّهَـا بِالتَّحَـوُّلِ
أمَـا آنَ أَنْ تَبْـدُوْ بِعِفَّـةِ صَالِـحٍ ** وَعِيْـشَـةِ زُهَّـادٍ وَقَلْـبٍ مُـغَسَّـلِ
أمـا آنَ أَنْ تُنْهِي الْقَصَائِدَ فِي اللُّهَى ** أَيَفْـخَـرُ إِنْـسَـانٌ بِـبِئْـرٍ مُعَطَّـلِ
أَيَـا نَفْسُ تُوبِي مِنْ مِكَرٍّ إِلَى هَـوَىً ** وَفِرِّيْ إِلَــى الْمَوْلَـى بِتَوْبَـةِ مُقْبِـلِ
فِإِنِّ حَيَـاةَ الْمَـرْءِ كَالظِّـلِ زَائِـلٌ ** فَطُوبَى لِـذِي عَقْـلٍ وَبِالْخَيْـرِ مُبْتَلِـي
 
اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمؤمنين يوم يقوم الحساب
وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه
والحمد لله رب العالمين

الجمعة، 8 مايو 2015

العمل

بسم الله الرحمن الحيم
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

 العمل
يروى أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله ويطلب منه مالا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أما في بيتك شيء؟). فقال الرجل: بلى، حلس (كساء) نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقدح نشرب فيه الماء.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ائتني بهما)، فجاء بهما الرجل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (مَنْ يشتري هذين؟). فقال رجل: أنا آخذهما بدرهم. فقال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ يزيد على درهم؟)-مرتين أو ثلاثًا-.
فقال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه، وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الدرهمين، فأعطاهما الرجل الفقير، وقال له: (اشترِ بأحدهما طعامًا فانبذه إلى أهلك، واشترِ بالآخر قدومًا (فأسًا) فأتني به).
فاشتري الرجل قدومًا وجاء به إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فوضع له الرسول صلى الله عليه وسلم يدًا وقال له: (اذهب فاحتطب وبع ولا أَرَينَّك (لا أشاهدنَّك) خمسة عشر يومًا).
فذهب الرجل يجمع الحطب ويبيعه، ثم رجع بعد أن كسب عشرة دراهم، واشترى ثوبًا وطعامًا، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (هذا خير لك من أن تجيء المسألة نُكْتَةً (علامة) في وجهك يوم القيامة، إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: لذي فقر مُدْقِع (شديد)، أو لذي غُرْم مفظع (كبير)، أو لذي دم موجع (عليه دية)) [أبو داود].
*ما هو العمل؟
للعمل معانٍ كثيرة واسعة، فهو يطلق على ما يشمل عمل الدنيا والآخرة.
عمل الآخرة: ويشمل طاعة الله وعبادته والتقرب إليه، والله -تعالى- يقول: {فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض} [آل عمران: 195]
.
وسُئِل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: (إيمان بالله ورسوله)، قيل: ثم ماذا؟ قال: (جهاد في سبيل الله)، قيل: ثم ماذا؟ قال: (حج مبرور) [البخاري].
عمل الدنيا: ويطلق على كل سعي دنيوي مشروع، ويشمل ذلك العمل اليدوي وأعمال الحرف والصناعة والزراعة والصيد والتجارة والرعي وغير ذلك من الأعمال. وقد سئل الرسول صلى الله عليه وسلم: أي الكسب أفضل؟ فقال: (عمل الرجل بيده) [الحاكم].
أمرنا الله -تعالى- بالعمل، والجـد في شئون الحياة، في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، فقال سبحانه: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون} [الجمعة: 10]. وقـال تعالى: {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور} [الملك: 15]. وقـال تعالى: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} [التوبة: 105].
وعلى كل مسلم أن يؤدي ما عليه من عملٍ بجد وإتقان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بإحسان العمل وإتقانه، كذلك فإن الطالب عليه أن يجتهد في مذاكرته؛ لأنها عمله المكلف به؛ فيجب عليه أن يؤديه على خير وجه، حتى يحصل على النجاح والتفوق.
والمسلم لا يتوقف عن العمل مهما كانت الظروف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة؛ فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها، فليغرسها) [أحمد].
وقد نهى الإسلام عن أن يجلس الرجل بدون عمل، ثم يمد يده للناس يسألهم المال، وقد وصف الله -تعالى- فقراء المؤمنين بالعفة، فهم مهما اشتد فقرهم لا يسألون الناس ولا يلحُّون في طلب المال، يقول تعالى: {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربًا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافًا} [البقرة: 273].
والذي يطلب المال من الناس مع قدرته على العمل ظالم لنفسه؛ لأنه يُعرِّضها لذل السؤال، وقد حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من المسألة، وبالغ في النهي عنها والتنفير منها، فقال صلى الله عليه وسلم: (اليد العُلْيَا خير من اليد السُّفْلَى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعِفَّه الله، ومن يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ الله) [متفق عليه]. وقال صلى الله عليه وسلم: (لأن يأخـذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلا فيسأله أعطاه أو منعه) [البخاري].
ويقول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق، ويقول: اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة. فعلى المسلم أن يعمل ويجتهد حتى تتحقق قيمته في الحياة، يقول الشاعر:
بِقَدْرِ الْكَـدِّ تُكْتَسَـبُ المعَـالِـي
ومَنْ طلب العُلا سَهرَ اللَّـيالِــي
ومن طلب العُـلا من غير كَــدٍّ
أَضَاع العُمْـرَ في طلب الْمُحَــالِ
العمل خلق الأنبياء:
عمل نبي الله نوح -عليه السلام- نجارًا، وقد أمره الله بصنع السفينة ليركب فيها هو ومن آمن معه. واشتغل يعقوب -عليه السلام- برعي الغنم. وعمل يوسف -عليه السلام- وزيرًا على خزائن مصر.
ويروى أن نبي الله إدريس -عليه السلام- كان خياطًا، فكان يعمل بالخياطة، ولسانه لا يكفُّ عن ذكر الله؛ فلا يغرز إبرة ولا يرفعها إلا سبح الله؛ فيصبح ويمسي وليس على وجه الأرض أحد أفضل منه. كما اشتغل نبي الله موسى
-عليه السلام- برعي الغنم عشر سنين.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أكل أحدٌ طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده) [البخاري]. وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم نبي الله داود -عليه السلام- لأنه كان مَلِكًا، ومع كونه ملكًا له من الجاه والمال الكثير، إلا أنه كان يعمل ويأكل من عمل يده؛ فقد كان يشتغل بالحدادة، ويصنع الدروع الحديدية وآلات الحرب بإتقان وإحكام. وقد اشتغل رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك برعي الغنم في صغره، ثم عمل في شبابه بالتجارة.



فضل العمل:
المسلم يعمل حتى يحقق إنسانيته؛ لأنه كائن مُكلَّف بحمل رسالة، وهي عمارة الأرض بمنهج الله القويم، ولا يتم ذلك إلا بالعمل الصالح، كما أن الإنسان لا يحقق ذاته في مجتمعه إلا عن طريق العمل الجاد.
وبالعمل يحصل الإنسان على المال الحلال الذي ينفق منه على نفسه وأهله، ويسهم به في مشروعات الخير لأمته، ومن هذا المال يؤدي فرائض الله؛ فيزكي ويحج ويؤدي ما عليه من واجبات، وقد أمر الله عباده بالإنفاق من المال الطيب، فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم} [البقرة: 267].
وقد ربط الله -عز وجل- بين العمل والجهاد في سبيل الله، فقال تعالى: {وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله} [المزمل: 20].
وجعل النبي صلى الله عليه وسلم من يخرج ليعمل ويكسب من الحلال؛ فيعف نفسه أو ينفق على أهله، كمن يجاهد في سبيل الله. وقد مر رجل على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فرأى الصحابة جده ونشاطه، فقالوا: يا رسول الله، لو كان هذا في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن كان خرج يسعى على ولده صغارًا فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يَعفُّها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياءً ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان) [الطبراني].
كما أن العمل يكسب المرء حب الله ورسوله واحترام الناس. روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تعالى يحب العبد المؤمن المحترف (أي: الذي له عمل ومهنة يؤديها)) [الطبراني والبيهقي].
أخلاقيات العمل في الإسلام:
نظم الإسلام العلاقة بين العامل وصاحب العمل، وجعل لكلِّ منهما حقوقًا وواجبات.
أولا: حقوق العامل:
ضمن الإسلام حقوقًا للعامل يجب على صاحب العمل أن يؤديها له، ومنها:
* الحقوق المالية: وهي دفع الأجر المناسب له، قال الله تعالى: {ولا تبخسوا الناس أشيائهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين} [هود: 85]. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه) [ابن ماجه].
* الحقوق البدنية: وهي الحق في الراحة، قال تعالى: {لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها} [البقرة: 286]. ويقول صلى الله عليه وسلم: (إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فلْيطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم) [متفق عليه]. وكذلك يجب على صاحب العمل أن يوفر للعامل ما يلزمه من رعاية صحية.
* الحقوق الاجتماعية: وهي التي بينها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (مَنْ كان لنا عاملا فلم يكن له زوجة فليكتسب زوجة، فإن لم يكن له خادم فليكتسب له خادمًا، فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكنًا. من اتخذ غير ذلك فهو غَالٌّ أو سارق) [أبو داود].
ثانيا: واجبات العامل:
وكما أن العامل له حقوق فإن عليه واجبات، ومن هذه الواجبات:
* الأمانة: فالغش ليس من صفات المؤمنين، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من غش فليس مني) [مسلم وأبو داود والترمذي].
* الإتقان والإجادة: لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه) [البيهقي].
* التبكير إلى العمل: حيث يكون النشاط موفورًا، وتتحقق البركة، قال صلى الله عليه وسلم: (اللهم بارك لأمتي في بكورها) [الترمذي وابن ماجه].
* التشاور والتناصح: حيث يمكن التوصل للرأي السديد، قال صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة) [مسلم والترمذي].
* حفظ الأسرار: يجب على العامل أن يحفظ أسرار عمله، فلا يتحدث إلى أحد -خارج عمله- عن أمورٍ تعتبر من أسرار العمل.
* الطاعة: فيجب على العامل أن يطيع
رؤساءه في العمل في غير معصية، وأن يلتزم بقوانين العمل.

فضل العلم


بسم الله الرحمن الحيم
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته


فضل العلم
قال ابن القيم – رحمه الله - :
" ولو لم يكن في العلم إلا القرب من رب العالمين , والالتحاق بعالم الملائكة , وصُحبة الملإ الأعلى , لكفى به شرفاً وفضلاً , فكيف وعِزُّ الدنيا والآخرة منوط ٌ به , مشروط بحصوله؟! " .
طالب العلم في منزله
قال ابن الحاج – رحمه الله - :
" وينبغي لطالب العلم أن يتفقد أهله فيما يحتاجون إليه ؛ لأنه جاء لتعليم غيرهم طلبا لثواب إرشادهم , فخاصَّتُه ومن تحت نظره آكد ؛ لأنهم رعيتهُ , ومن الخاصة به كما سبق الحديث : " كلكم راع ٍ.... " . فيعطيهم نصيبهم فيبادر بتعليمهم آكد الأشياء في الدين أولاً , وأنفعها وأعظمها , فيعلمهم الإيمان والإسلام , ويجدد عليهم علم ذلك , وإن كانوا قد علموه , ويعلمهم الإحسان , ويعلمهم الوضوء , والاغتسال , وصفتهما , والتيمم , والصلاة , وما في ذلك  كله من الفرائض , والسنن والفضائل , وكل ما يحتاجون إليه من أمر دينهم , الأهم فالأهم " .
" مفتاح دار السعادة " (1/108) .
" المدخل " لابن الحاج (1/209) .
اختيار الشيخ
قال ابن جماعة – رحمه الله - :
" فينبغي أن يختار الأعلم , والأورع , والأسن , كما اختار أبو حنيفة – رحمه الله – حماد بن سليمان – رحمه الله – بعد التأمل والتفكر .
وقال : وجدته شيخاً وقوراً , حليماً صبوراً .
وقال : ثبت عند حماد بن سليمان فنَبتُّ " .
" تعليم المتعلم " (ص12) .
التبكير في طلب العلم
عن عبد الله بن أحمد بن حنبل – رحمهم الله – قال :
سمعتُ أبي يقول : " كنت ربما أردت البكور إلى الحديث , فتأخذ أمي ثيابي وتقول : حتى يؤذن الناس , حتى يصبحوا , وكنت ربما بكرت إلى مجلس أبي بكر ابن عياش وغيره " .
آداب الدخول على الشيخ
قال ابن جماعة – رحمه الله - :
" ينبغي أن يدخل على الشيخ كامل الهيئة , متطهر البدن والثياب , نظيفهما بعدما يحتاج إليه من أخذ ظُفر وشعرٍ , وقطع رائحة كريهة , لاسيما إن كان يقصد مجلس العلم , فإنه مجلس ذكر واجتماع في عبادة ".
" الجامع لأخلاق الراوي وأدب السامع " (1/151) .
" تذكرة السامع والمتكلم " (ص95) .
الحياء المذموم
قال ابن رسلان :
" وإذا قال له الشيخ : هل فهمت ؟ فلم يقل : نعم , إلا وهو فاهم , ولا يستحيي من قوله : لا أدري , أو لا أفهم .
قال مجاهد : " لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر " .
وقالت عائشة – رضي الله عنها - : " نِعمَ النساءُ نساءُ الأنصار , لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين " .
وقال الخليل :
" منزلة الجهل بين الحياء والأنفة "  .
" فتح الباري " (1/276) .
" آداب المتعلم والعالم " (ص59) .
" آداب طالب العلم " (ص181) .
العلم ثلاثة أشبار
قال ابن جماعة – رحمه الله - :
" العلم ثلاثة أشبار :
- من دخل الشبر الأول تكبر .
- ومن دخل الشبر الثاني تواضع .
- ومن دخل الشبر الثالث علم أنه لا يعلم " .
مراتب العلم
قال ابن القيم – رحمه الله - :
" للعلم ست مراتب :
أولها : حسن السؤال .
والثانية : حسن الإنصات .
والثالثة : حسن الفهم .
والرابعة : الحفظ .
" تذكرة السامع والمتكلم " (ص65) .
والخامسة : التعليم .
والسادسة – وهي ثمرته - : العمل به ومراعاة حدوده " .
جنة العالم
قال الشيخ بكر أبو زيد – حفظه الله - :
" جنة العالم : لا أدري , ويهتك حجابها الاستنكافُ منها , وقوله : يقال , أو سمعت, أو ما شابههما , وإن كان نصف العلم لا أدري , فنصف الجهل : يقال , أو أظن , فانتبه لهذا , وفقك الله ! " .
أعلى الهمم في طلب العلم علم الكتاب والسنة
قال ابن القيم – يرحمه الله - :
" أعلى الهمم في طلب العلم : علم الكتاب والسنة , والفهم عن الله ورسوله نفس المراد , وعلم حدود المنزل .
 " مفتاح دار السعادة " .
" حلية طالب العلم " .
وأخس العلم : قصر همتهم على تتبع شواذ المسائل , وما لم ينزل , ولا هو واقع , أو كانت همتهم معرفة الاختلاف , وتتبع أقوال الناس , وليس لهم همة إلى معرفة الصحيح من تلك الأقوال , وقل أن ينتفع واحد من هؤلاء بعلمه " .
الرحلة للطلب
قال ابن جماعة – رحمه الله - :
" من لم يكن رُحْلةً , لم يكن رُحَلةً " .
ما يميز طالب العلم
قال الخطيب البغدادي – رحمه الله - :
" ينبغي لطالب العلم أن يتميز في عامة أموره عن طرائق العوام باستعمال آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم , ما أمكنه , وتوظيف السنة على نفسه ؛ فإن الله – سبحانه وتعالى–  يقول : {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ }الأحزاب21"  .
" الفوائد " (ص61) .
 " تذكرة السامع والمتكلم " .
" الجامع للخطيب " (ص142) .
العلم بالدُّرية لا بكثرة الرواية
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - :
" وقد أوعبتُ في كل فن من فنون العلم إيعاباً , من نور الله قلبه هداه بما يبلغه من ذلك , ومن أعماه لم تزده كثرة الكتب إلا حيرة وخبالاً " .
وقال الذهبي عند ترجمته لعثمان الدارمي – رحمهم الله - :
" إن العلم ليس بكثرة الرواية ولكنه نور يقذفه الله في القلب وشرطه : الإتباع والفرار من الهوى والابتداع " .
قال الإمام ابن رجب – رحمه الله - :
" وقد فتن كثير من المتأخرين بهذا , وظنوا أن من كثر كلامه وجداله وخصامه في مسائل الدين فهو أعلم ممن ليس كذلك , وهذا جهل محض , وانظر إلى أكابر الصحابة وعلمائهم: كأبي بكر , وعمر , وعلي ومعاذ وابن مسعود , ويزيد بن ثابت كيف كانوا؟!
كلامهم أقل من كلام ابن عباس , وهم أعلم منه , وكذلك كلام التابعين أكثر من كلام الصحابة , والصحابة أعلم منهم , وكذلك تابعو التابعين كلامهم أكثر من كلام التابعين , والتابعون أعلم منهم .
" مجموعة الرسائل الكبرى " (1/239) .
" السير " (13/323) .
فليس العلم بكثرة الرواية , ولا بكثرة المقال , ولكنه نور يقذف في القلب , يفهم به العبد الحق , ويميز به بينه وبين الباطل , ويعبر عن ذلك بعبارات وجيزة محصلة للمقاصد " .
تعاهد القرآن
عن ابن عمر – رضي الله عنهما – عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره , وإن لم يقم به نسيه " .
تكرار قراءة القرآن يفتح آفاقا من المعرفة
ذكر عباس بن عبد الدائم المعري الكناني – رحمه الله – عن شيخ ضرير أنه أوصاهم فقال:
" أكثر من قراءة القرآن ولا تتركه ؛ فإنه يتيسر لك الذي تطلبه على قدر ما تقرأ " .
قال : " فرأيت ذلك وجربته كثيرا , فكنت إذا قرأت كثيرا تيسر لي من سماع الحديث وكتابته الكثير , وإذا لم أقرأ لم يتيسر لي " .
" بيان فضل علم السلف على علم الخلف " لابن رجب الحنبلي (ص57- 58) .
 رواه مسلم  (6/76) .
 " ذيل طبقات الحنابلة " (2/98) .
الحفظ قليلا قليلا أثبت
قال أبو بكر بن عياش – رحمه الله - :
" قرأت القرآن على عاصم بن أبي النجود , فكان يأمرني أن أقرأ عليه كل يوم آية لا أزيد عليه , ويقول : إن هذا أثبت لك . فلم آمن أن يموت الشيخ قبل أن أفرغ من القرآن فما زلت أطلب إليه حتى أذن لي في خمس آيات كل يوم "  .
السهر في طلب العلم
قال فضيل بن غزوان :
" كنا نجلس أنا وابن شُبرمة والحارث بن يزيد والعلكي والمغيرة والقعقاع بن يزيد بالليل نتذاكر الفقه فربَّما لم نقم حتى نسمع النداء للفجر .

الخميس، 30 أبريل 2015

الأخلاق أهميتها وفوائدها


بسم الله الرحمن الحيم
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

الأخلاق أهميتها وفوائدها



فيقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إنما بُعثت لأتممَ مكارم الأخلاق))[سنن البيهقي، وصححه الألباني في الصحيحة

فكأن مكارمَ الأخلاق بناء شيَّده الأنبياء، وبُعث النبي - صلى الله عليه وسلم - ليتم هذا البناء، فيكتمل صرح مكارم الأخلاق ببِعثته - صلى الله عليه وسلم - ولأن الدِّينَ بغير خُلق كمحكمة بغير قاضٍ، كذلك فإن الأخلاقَ بغير دِين عبث، والمتأمل في حال الأمَّة اليوم يجد أن أَزْمَتَها أزمةٌ أخلاقية؛ لذلك نتناول في هذه السلسلة بعضَ المفاهيم الأخلاقية، وبعضَ محاسن الأخلاق التي يجب على المسلم أن يتحلى بها، ومساوئ الأخلاق التي يجبُ على المسلم أن يتخلَّى عنها.

مفهوم الأخلاق لغة واصطلاحًا:
الخلق لغة: هو السَّجيَّة والطَّبع والدِّين، وهو صورة الإنسان الباطنية، أما صورة الإنسان الظاهرة فهي الخُلق؛ لذلك كان من دعاء النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: ((... واهدِني لأحسنِ الأخلاق، لا يهدي لأحسنِها إلا أنت، واصرِفْ عني سيِّئَها، لا يصرِفُ عني سيِّئها إلا أنت))؛ [رواه مسلم].

ويوصَفُ المرءُ بأنه حسَنُ الظاهر والباطن إذا كان حسَنَ الخَلْق والخُلُق.

والخُلق اصطلاحًا:
عبارة عن هيئة في النفس راسخةٍ تصدُرُ عنها الأفعالُ بسهولةٍ ويُسرٍ، من غير حاجة إلى فكرٍ ولا رويَّة، وهذه الهيئة إما أن تصدُرَ عنها أفعالٌ محمودة، وإما أن تصدُرَ عنها أفعالٌ مذمومةٌ، فإن كانت الأولى، كان الخُلُق حسَنًا، وإن كانت الثانية، كان الخُلُق سيِّئًا.

هناك فَرْقٌ بين الخُلُق والتخلُّق؛ إذ التخلُّق هو التكلُّف والتصنُّع، وهو لا يدوم طويلاً، بل يرجع إلى الأصل، والسلوك المتكلَّف لا يسمَّى خُلقًا حتى يصير عادةً وحالةً للنفس راسخةً، يصدُرُ عن صاحبِه في يُسر وسهولة؛ فالذي يصدُقُ مرة لا يوصَفُ بأن خُلقَه الصدقُ، ومن يكذِبُ مرَّةً لا يقال: إن خُلقَه الكذب، بل العبرةُ بالاستمرار في الفعل، حتى يصيرَ طابعًا عامًّا في سلوكه.

أهمية الأخلاق:
أهمية الأخلاق ومكانتها في الإسلام:
يمكن تبيُّن أهمية الأخلاق في الإسلام من عدة أمور، منها[]معالم الشخصية الإسلامية المعاصرة، منقول:
أولاً: جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الغاية من بِعثته الدعوة للأخلاق.
فقد صحَّ عنه - صلى الله عليه وسلم -: ((إنما بُعِثْتُ لأتممَ مكارم الأخلاق)).

لقد بين رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بهذا الأسلوب أهمية الخُلق، بالرغم من أنه ليس أهمَّ شيء بُعث النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - من أجله؛ فالعقيدة أهم منه، والعبادة أهم منه، ولكن هذا أسلوب نبوي لبيان أهمية الشيء، وإن كان غيرُه أهمَّ منه، فإن قال قائل: ما وجه أهمية الخُلق حتى يقدَّم على العقيدة والعبادة؟
فالجواب: إن الخُلق هو أبرز ما يراه الناسُ، ويُدركونه من سائر أعمال الإسلام؛ فالناس لا يرون عقيدةَ الشخص؛ لأن محلَّها القلبُ، كما لا يرون كلَّ عباداته، لكنهم يرَوْن أخلاقه، ويتعاملون معه من خلالها؛ لذا فإنهم سيُقيِّمون دِينَه بِناءً على تعامله، فيحكُمون على صحتِه من عدمه عن طريق خُلقه وسلوكه، لا عن طريق دعواه وقوله، وقد حدَّثَنا التاريخ أن الشرق الأقصى ممثَّلاً اليوم في إندونسيا والملايو والفلبين وماليزيا، لم يعتنقْ أهلُها الإسلام بفصاحة الدعاة، ولا بسيف الغزاة، بل بأخلاقِ التجَّار وسلوكِهم، من أهل حضرموت وعمان؛ وذلك لما تعاملوا معهم بالصدق والأمانة والعدل والسماحة.

وإن مما يؤسَفُ له اليوم أن الوسيلةَ التي جذبت كثيرًا من الناس إلى الإسلام هي نفسها التي غدَت تصرِفُ الناس عنه؛ وذلك لما فسَدت الأخلاق والسلوك، فرأى الناس تباينًا - بل تناقضًا - بين الادِّعاء والواقع!

ثانيًا: تعظيم الإسلام لحُسن الخُلق:
لم يعُدِ الإسلام الخلق سلوكًا مجرَّدًا، بل عده عبادةً يؤجر عليها الإنسان، ومجالاً للتنافس بين العباد؛ فقد جعله النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أساسَ الخيريَّة والتفاضل يوم القيامة، فقال: ((إن أحبَّكم إليَّ، وأقربَكم مني في الآخرة مجلسًا، أحاسنُكم أخلاقًا، وإن أبغضَكم إليَّ وأبعدَكم مني في الآخرة أسوَؤُكم أخلاقًا، الثَّرثارون المُتفَيْهِقون المُتشدِّقون)).

وكذلك جعَل أجر حُسن الخُلق ثقيلاً في الميزان، بل لا شيء أثقلُ منه، فقال: ((ما من شيءِ أثقلَ في ميزان المؤمن يوم القيامة مِن حُسن الخُلق)).

وجعَل كذلك أجرَ حُسن الخُلق كأجرِ العبادات الأساسية، مِن صيام وقيام، فقال: ((إن المؤمنَ لَيُدركُ بحُسن الخُلق درجةَ الصائمِ القائم))، بل بلَغ من تعظيم الشارع لحُسن الخُلق أنْ جعَله وسيلة من وسائل دخول الحنة؛ فقد سُئل - صلى الله عليه وسلم - عن أكثرِ ما يُدخِل الناسَ الجنَّةَ؟ فقال: ((تقوى اللهِ وحُسن الخُلق))، وفي حديث آخرَ ضمِن لصاحب الخُلق دخولَ الجنة، بل أعلى درجاتها، فقال: ((أنا زعيمٌ ببيت في ربَضِ - أطراف - الجنَّةِ لِمَن ترَك المِراءَ وإن كان محقًّا، وببيتٍ في وسَط الجنة لِمَن ترَك الكذبَ وإن كان مازحًا، وببيتٍ في أعلى الجنَّة لمن حسُن خلُقه)).

ثالثًا: أنها أساس بقاء الأمم:
فالأخلاق هي المؤشِّر على استمرار أمَّة ما أو انهيارها؛ فالأمة التي تنهار أخلاقُها يوشك أن ينهارَ كيانُها، كما قال شوقي:
وإذا أُصيب القومُ في أخلاقِهم
فأقِمْ عليهم مأتَمًا وعويلا

ويدلُّ على هذه القضية قولُه - تعالى -: ﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ﴾ [الإسراء: 16].

رابعًا: أنها من أسبابِ المودة، وإنهاء العداوة:
يقول الله - تعالى -: ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ [فصلت: 34].

والواقع يشهد بذلك، فكم من عداوةٍ انتهت لحُسن الخُلق؛ كعداوة عمرَ وعكرمة، بل عداوة قريش له - صلى الله عليه وسلم.

ومن هنا قال: "إنكم لن تسَعُوا الناسَ بأموالكم، ولكن تسعونهم بأخلاقكم"، يقول أبو حاتم - رحمه الله -: "الواجب على العاقل أن يتحبَّب إلى الناس بلزوم حُسن الخُلق، وتَرْكِ سوء الخُلق؛ لأن الخُلق الحسَن يُذيب الخطايا كما تذيب الشمسُ الجليد، وإن الخُلق السيِّئ لَيُفسد العمل، كما يفسد الخلُّ العسلَ".

خامسًا: إن الخُلق أفضلُ الجمالينِ:
الجمال جمالان؛ جمال حسي، يتمثل في الشَّكل والهيئة والزينة والمركَب والجاه والمنصب، وجمال معنوي، يتمثل في النفس والسلوك والذكاء والفطنة والعلم والأدب، كما قال القائل:
ليس الجمالُ بأثواب تُزيِّنُنا
إن الجمالَ جمالُ العلم والأدبِ

وقال الشاعر:
ليس الجمالُ بمئزرٍ
فاعلم وإن رُدِّيت بردا
إن الجمالَ مناقب
ومعادن أورثن حمدا

وقد ذكر اللهُ أن للإنسان عورتينِ؛ عورة الجسم، وعورة النفس، ولكل منهما ستر؛ فستر الأولى بالملابس، وستر الثانية بالخُلق، وقد أمر الله بالسترين، ونبَّه أن الستر المعنوي أهمُّ من الستر الحسي فقال: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ [الأعراف: 26]؛ فطهارةُ الباطن أعظمُ من طهارة الظاهر.

ما يُعين على اكتساب الأخلاق[رسالة: الأسباب المفيدة ]:
هناك أسباب ووسائل، يستطيع الإنسان من خلالها أن يكتسب حُسن الخُلق، ومن ذلك ما يلي:
1- سلامة العقيدة: فالسلوك ثمرة لِما يحمله الإنسانُ من فكر ومعتقد، وما يَدين به من دِين، والانحراف في السلوك ناتجٌ عن خَلَل في المعتقد؛ فالعقيدة هي الإيمان، وأكمل المؤمنين إيمانًا أحسنُهم أخلاقا؛ فإذا صحت العقيدة، حسُنَتِ الأخلاقُ تبعًا لذلك؛ فالعقيدة الصحيحة تحمل صاحبَها على مكارم الأخلاق، كما أنها تردَعُه عن مساوئِ الأخلاق.

2- الدعاء: فيلجأ إلى ربه، ليرزقه حُسن الخُلق، ويصرف عنه سيِّئه، والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في دعاء الاستفتاح: ((... اهدِني لأحسنِ الأخلاق، لا يهدي لأحسنِها إلَّا أنتَ، واصرف عنِّي سيِّئَها، لا يصرفُ عنِّي سيِّئَها إلَّا أنتَ...))؛ رواه مسلم، وكان يقول: ((اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بك مِن منكَراتِ الأخلاق والأعمالِ والأهواءِ))؛ رواه الترمذي.

3- المجاهدة: فالخُلق الحسَن نوع من الهداية، يحصل عليه المرء بالمجاهدة؛ قال - عز وجل -: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [العنكبوت: 69].

والمجاهدة لا تعني أن يجاهد المرءُ نفسَه مرة، أو مرتين، أو أكثر، بل تعني أن يجاهد نفسَه حتى يموت؛ ذلك أن المجاهدة عبادة، والله يقول: ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾ [الحجر: 99].

4- المحاسَبة: وذلك بنقدِ النفس إذا ارتكبت أخلاقًا ذميمة، وحملها على ألا تعود إليها مرة أخرى، مع أخذِها بمبدأ الثواب، فإذا أحسَنَت أراحها، وأرسَلها على سجيتِها بعض الوقت في المباح، وإذا أساءت وقصَّرت، أخَذها بالحزمِ والجد، وحرَمها مِن بعض ما تريد.

5- التفكر في الآثار المترتبة على حُسن الخُلق: فإن معرفة ثمرات الأشياء، واستحضار حُسن عواقبها، من أكبر الدواعي إلى فعلها، وتمثُّلها، والسعي إليها، والمرء إذا رغِب في مكارم الأخلاق، وأدرك أنها من أولى ما اكتسبته النفوس، وأجلُّ غنيمة غنِمها الموفَّقون، سهُل عليه نيلُها واكتسابها.

6- النظر في عواقب سوء الخُلق: وذلك بتأمُّل ما يجلبه سوءُ الخُلق من الأسف الدائم، والهم الملازم، والحسرة والندامة، والبغضة في قلوب الخلق؛ فذلك يدعو المرءَ إلى أن يقصر عن مساوئ الأخلاق، وينبعث إلى محاسنها.

7- الحذر من اليأس من إصلاح النفس: فهناك مَن إذا ابتلي بمساوئ الأخلاق، وحاول التخلُّص من عيوبه فلم يُفلح - أيِس من إصلاح نفسه، وترَك المحاولة، وهذا الأمر لا يحسُن بالمسلم، ولا يليق به، بل ينبغي له أن يقوِّيَ إرادته، وأن يسعى لتكميل نفسه، وأن يجدَّ في تلافي عيوبه؛ فكم من الناس مَن تبدَّلت حاله، وسمَتْ نفسُه، وقلت عيوبه بسبب مجاهدته، وسعيه، وجدِّه، ومغالبته لطبعه.

8- علو الهمة: فعلو الهمة يستلزم الجد، ونشدان المعالي، والترفُّع عن الدنايا ومحقرات الأمور، والهمة العالية لا تزال بصاحبها تزجُره عن مواقف الذل، واكتساب الرذائل، وحرمان الفضائل، حتى ترفَعَه من أدنى دركات الحضيض إلى أعلى مقامات المجد والسُّؤدَد؛ قال ابن القيم - رحمه الله -: "فمن علَتْ همتُه، وخشعت نفسه، اتصف بكل خُلق جميل، ومن دنت همتُه، وطغت نفسُه، اتصف بكل خُلق رذيل".

وقال - رحمه الله -:
"فالنفوس الشريفة لا ترضى من الأشياء إلا بأعلاها، وأفضلها، وأحمدها عاقبة، والنفوس الدنيئة تحوم حول الدناءات، وتقعُ عليها كما يقع الذبابُ على الأقذار؛ فالنفوس العليَّة لا ترضى بالظُّلم، ولا بالفواحش، ولا بالسرقة ولا بالخيانة؛ لأنها أكبرُ من ذلك وأجلُّ، والنفوس المَهِينة الحقيرة الخسيسة بالضد من ذلك".

فإذا توفر المرءُ على اقتناء الفضائل، وألزم نفسه على التخلق بالمحاسن، ولم يرضَ من منقبة إلا بأعلاها، لم يقفْ عند فضيلة إلا وطلب الزيادة عليها.

9- الصبر: فالصبر من الأسس الأخلاقية التي يقوم عليها الخُلق الحسن، فالصبر يحمل على الاحتمال، وكَظْم الغيظ، وكف الأذى، والحِلْم، والأناة، والرفق، وترك الطيش والعجلة. وَقَلَّ مَنْ جَدَّ فِي شَيْءٍ تَطَلَّبَهُ = وَاسْتَشْعَرَ الصَّبْرَ إلَّا فَازَ بِالظَّفَرِ.

10- العفة: فهي تحمل على اجتناب الرذائل من القول والفعل، وتحمل على الحياء؛ وهو رأسُ كلِّ خير، وتمنع من الفحشاء.

11- الشجاعة: فهي تحمل على عزة النفس، وإباء الضيم، وإيثار معالي الأخلاق والشِّيم، وعلى البذل والندى الذي هو شجاعة النفس، وقوتها على إخراج المحبوب ومفارقته، وهي تحمل صاحبَها على كظم الغيظ، والحِلْم.

12- العدل: فهو يحمل على اعتدال الأخلاق، وتوسطها بين طرفي الإفراط والتفريط.

13- تكلُّف البِشْرِ والطَّلاقة، وتجنُّب العبوس والتقطيب: قال ابن حبان - رحمه الله -: "البشاشة إدامُ العلماء، وسجيَّة الحكماء؛ لأن البِشْرَ يُطفئ نار المعاندة، ويحرق هيجانَ المباغضة، وفيه تحصين من الباغي، ومنجاة من الساعي"، "وقيل للعتابي: إنك تلقى الناسَ كلَّهم بالبِشْر، قال: دفعُ ضغينة بأيسرِ مؤونة، واكتساب إخوانٍ بأيسرِ مبذول".
وما اكتسب المحامدَ حامدوها
بمثلِ البِشْرِ والوجهِ الطَّليق

بل إن تبسُّم الرجل في وجه أخيه المسلم صدقةٌ يثاب عليها؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((تَبَسُّمُكَ في وَجْهِ أخيك لك صَدَقَةٌ...))؛ رواه الترمذي.

والابتسام للحياة يُضيئها، ويُعين على احتمال مشاقِّها، والمبتسمون للحياة أسعدُ الناس حالاً لأنفسهم ومن حولهم، بل هم أقدرُ على العمل، وأكثر احتمالاً للمسؤولية، وأجدرُ بالإتيان بعظائم الأمور التي تنفعهم، وتنفع الناس؛ فذو النفس الباسمة المشرقة يرى الصعابَ فيلذُّه التغلُّبُ عليها، ينظرها فيبتسم، وينجح فيبتسم، ويُخفِقُ فيبتسم، وإذا كان الأمرُ كذلك، فأحرى بالعاقلِ ألا يُرَى إلا متهلِّلاً.

14- التغاضي والتغافل: وهو من أخلاقِ الأكابر، ومما يُعينُ على استبقاء المودَّة واستجلابها، وعلى وَأْدِ العداوة، وإخلاد المباغَضة، ثم إنه دليلٌ على سموِّ النفس، وشفافيتها، قال ابنُ الأثير متحدثًا عن صلاح الدين الأيوبي: "وكان صبورًا على ما يكرَه، كثيرَ التغافل عن ذنوب أصحابه، يسمع من أحدهم ما يكره، ولا يُعلِمه بذلك، ولا يتغيَّر عليه، وبلغني أنه كان جالسًا وعنده جماعة، فرمى بعضُ المماليك بعضًا بسرموز - يعني: بنعل - فأخطأته، ووصَلت إلى صلاحِ الدين فأخطأته، ووقَعت بالقرب منه، فالتفت إلى الجهة الأخرى يُكلِّم جليسَه؛ ليتغافل عنها".

وكان الشيخ محمد الأمين الشنقيطيُّ - رحمه الله - كثيرَ التغاضي عن كثيرٍ من الأمور في حقِّ نفسه، وحينما يُسأَلُ عن ذلك كان يقولُ:
ليس الغبيُّ بسيدٍ في قومه
لكنَّ سيِّدَ قومِه المتغابي

15- الإعراض عن الجاهلين: فمن أعرَض عن الجاهلين حمى عِرْضَه، وأراح نفسه، وسلِم من سماع ما يؤذيه؛ قال - عز وجل -: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ [الأعراف: 199].

فبالإعراض عن الجاهلين يحفظ الرجلُ على نفسه عزتَها، والعرب تقول: "إن من ابتغاء الخيرِ اتقاءَ الشرِّ"، ورُوي أن رجلاً نال من عمرَ بن عبدالعزيز، فلم يُجِبْه، فقيل له: ما يمنعك منه؟ قال: التُّقى مُلجِمٌ.

16- العفو والصفح ومقابلة الإساءة بالإحسان: فهذا سبب لعلوِّ المنزلة، ورِفعة الدرجة؛ قال النبيُّ - عليه الصلاة والسلام -: ((وما زاد اللهُ عبدًا بعفو إلَّا عزًّا، وما تواضَعَ أحدٌ لله إلا رفعه اللهُ))؛ رواه مسلم، وقال عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله -: "أحبُّ الأمور إلى اللهِ ثلاثة: العفو عند المقدرة، والقصد في الجدةِ، والرِّفق بالعَبَدَةِ"، وقال الشافعي - رحمه الله -:
أرحتُ نفسي من ظلم العدواتِ
لَمَّا عفوتُ ولم أحقِدْ على أحدِ

فإذا كان الأمر كذلك، فإنه يجدر بالعاقل - كما قال ابن حبان -: "توطين نفسه على لزوم العفو عن الناس كافة، وترك الخروج لمجازاة الإساءة؛ إذ لا سبَبَ لتسكين الإساءة أحسنُ من الإحسان، ولا سبب لنماءِ الإساءة وتهييجها أشدُّ من الاستعمال بمثلِها".

17- الرضا بالقليل من الناس، وترك مطالبتهم بالمثل: وذلك بأن يأخُذَ منهم ما سهُل عليهم، وطوعت له به أنفسُهم سماحة واختيارًا، وألا يحملهم على العَنَتِ والمشقَّةِ؛ قال - تعالى -: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ [الأعراف: 199].

فوائد الأخلاق:
من فوائد حُسن الخُلق:
1- حسن الخلق من أفضل ما يقرِّبُ العبد إلى الله - تعالى.
2- إذا أحسن العبدُ خُلقه مع الناس أحبَّه الله والناس.
3- حَسَن الخُلق يألَفُ الناسَ، ويألَفُه الناسُ.
4- لا يكرم العبد نفسه بمثل حُسن الخُلق، ولا يُهينها بمثل سوئِه.
5- حُسن الخُلق سبب في رفع الدرجاتِ وعلو الهمم.
6- حُسن الخلق سبب في حبِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والقرب منه يوم القيامة.
7- حُسن الخلق يدل على سماحة النفس وكَرَمِ الطَّبع.
8- حسن الخلق يحوِّل العدوَّ إلى صديق.
9- حُسن الخلق سبب لعفو الله، وجالبٌ لغفرانه.
10- يمحو الله بحُسن الخُلق السيئات.
11- يُدرِكُ المرءُ بحُسن خُلقه درجةَ الصائم القائم.
12- حُسن الخُلق من أكثرِ ما يُدخِلُ الناسَ الجنَّةَ.
13- حُسن الخُلق يجعل صاحبَه ممن ثقلت موازينه يوم القيامة.
14- حسن الخلق يحرِّمُ جسدَ صاحبه على النار.
15- حُسن الخلق يُصلِحُ ما بين الإنسان وبين الناس.
16- وبالخلق الحسَن يكثر المُصافُون، ويقِلُّ المعادون.

نماذج من الأخلاق الحميدة:
ومن حسن الخلق: برُّ الوالدين، وصلة الأرحام، وليس الواصل بالمكافئِ، ولكن الواصل الذي إذا قَطَعت رحِمُه وصَلها.

ومن حُسن الخلق: الإحسانُ إلى الجيران، وإيصال النفع إليهم.

ومن حُسن الخُلق: إفشاء السلام على الخاص والعام، وطِيب الكلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام؛ فقد بشر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - من كان كذلك بدخول الجنة بسلام.

ومن حسن الخُلق: أن تسلِّمَ على أهل بيتك إذا دخَلْتَ عليهم، وهذه سنَّة مشهورة، وقد أصبحت عند الكثير من الناس اليوم مهجورة، مع أنها بركة على الداخل المسلِّم وأهل بيته، كما بيَّن ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم.

ومن حسن الخلق: معاشرة الزوجة بالإكرام والاحترام، وبشاشة الوجه، وطيب الكلام؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: ((خيرُكم خيرُكم لأهله، وأنا خيركم لأهلي)).

ومن حُسن الخُلق: معاشرة الناس بالحفاوة والوفاء، وترك التنكُّر لهم والجفاء، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، والنصيحة لهم؛ فذلك من أهم أخلاق الإيمان والديانة.

ومِن حُسن الخلق: استعمال النظافة في الجسم والثياب، وفي المنزل؛ فإن الله جميلٌ يحب الجمال، طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، وإن الله إذا أنعم على عبدِه نعمة يحبُّ أن يرى أثرَها عليه.

من فوائد الأخلاق للفرد والمجتمع:
1- نشر الأمن والأمان بين الأفراد والمجتمع.

2- وجود الأُلفة والمحبة بين الناس.

3- سيادة التعاون والتكافل الاجتماعي بين المجتمع؛ فالمسلمون أمة واحده، يعطف غنيُّهم على فقيرهم.

4- نبذ الفُرقة والخلاف وما يمزق المجتمعَ، والالتزام بالقِيَم والمبادئ.

5- المساهمة في خدمة المجتمع، ورفع معاناته، وتقديم ما يفيد للأمة والبشرية؛ فالمؤمن مثل الغيثِ أينما حلَّ نفَع.

6- الإيجابية في المجتمع، وتفعيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مشتملاً على أسسه وقواعده دون تنفير للناس، أو تغييب للشريعة وتعاليمها.

7- بذل الخير للناس بحب وسعادة غامرة، وتفعيل الإنتاج، وثقافة البذل والعطاء بين المجتمع.

8- بث روح التسامح ونشرها بين الناس، تحت شعار: "وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ"، ونحو مجتمع راقٍ تسودُه الألفة والمحبة.


السبت، 14 مارس 2015

مكانة الآرحام في الآسلام

بسم الله الرحمن الحيم
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

مكانة الآرحام في الآسلام


فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ( 22 ) أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم ( 23 ) أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ( من سورة محمد24

قال النبي صلى الله عليه وسلم :الرَّحِمُ شِجنةٌ من الرحمنِ ، قال اللهُ : مَن وصلَكِ وصلتُه ، و من قطعَكِ قطعتُه)اخرجه ابن ماجة وصححه الالباني

وقال صلى الله عليه وسلم :لا يدخلُ الجنةَ قاطعُ رحمٍ )اخرجه مسلم الا يكفي هذا الحديث لان نصلح انفسنا مع الله ونصل ارحامنا
لا تصلح مع فلان ولا مع فلان ولكن اصلح نفسك مع الله حتى تقبل صلاتك يا قاطع الرحم يا من خاصمت رحمك احذر من عقاب الله إذا خفت من انسان يهددك ربما لا تنام فكيف تنام وانت قاطع رحمك والله ويقول والنبي قول ما فيه التهديد والوعيد


صلة الرحم في الإسلام
دعت آيات القرآن الكريم ، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم إلى صلة الرحم ، ورغبت فيها أعظم الترغيب ، وكان الترغيب دينياً ودنيوياً ، ولا شك أن المجتمع الذي يحرص أفراده على التواصل والتراحم يكون حصناً منيعاً ، وقلعة صامدة ، وينشأ عن ذلك أسر متماسكة ، وبناء اجتماعي متين يمد العالم بالقادة والموجهين والمفكرين والمعلمين والدعاة والمصلحين الذين يحملون مشاعل الهداية ومصابيح النور إلى أبناء أمتهم ، وإلى الناس أجمعين .

معنى الرحم وصلة الرحم :
قال الراغب الأصفهاني : ( الرحم : رحم المرأة .. ومنه استعير الرحم للقرابة لكونهم خارجين من رحم واحدة ) .

والمراد بالرحم : الأقرباء في طرفي الرجل والمرأة من ناحية الأب والأم . ومعنى صلة الرحم : الإحسان إلى الأقارب في القول والفعل ، ويدخل في ذلك زيارتهم ، وتفقد أحوالهم ، والسؤال عنهم ، ومساعدة المحتاج منهم ، والسعي في مصالحهم .
فضل صلة الأرحام :

1- صلة الرحم من الإيمان :
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

[ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ] رواه البخاري.

أمور ثلاثة تحقق التعاون والمحبة بين الناس وهي : إكرام الضيف وصلة الرحم والكلمة الطيبة. وقد ربط الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الأمور بالإيمان فالذي يؤمن بالله واليوم الآخر لا يقطع رحمه ، وصلة الرحم علامة على الإيمان .

2- صلة الرحم سبب للبركة في الرزق والعمر :
كل الناس يحبون أن يوسع لهم في الرزق ، ويؤخر لهم في آجالهم لأن حب التملك وحب البقاء غريزتان من الغرائز الثابتة في نفس الإنسان ، فمن أراد ذلك فعليه بصلة أرحامه .

عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

[ من أحب أن يبسط له في رزقه ، وينسأ له في أثره ، فليصل رحمه ] . رواه البخاري.

عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[ من سره أن يمد له في عمره ، ويوسع له في رزقه ، ويدفع عنه ميتة السوء ، فليتق الله وليصل رحمه ] . رواه البزار والحاكم.

3- صلة الرحم سبب لصلة الله تعالى وإكرامه :
عن عائشة رضي الله عنها ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :[ الرحم متعلقة بالعرش تقول : من وصلني وصله الله ، ومن قطعني قطعه الله ] . رواه مسلم.

وقد استجاب الله الكريم سبحانه ، لها فمن وصل أرحامه وصله الله بالخيروالإحسان ومن قطع رحمه تعرض إلى قطع الله إياه ، وإنه لأمر تنخلع له القلوب أن يقطع جبار السموات والأرض عبدًا ضعيفاً فقيراً .

4- صلة الرحم من أسباب دخول الجنة :
فعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : [ يأيها الناس أفشوا السلام أطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام ، تدخلوا الجنة بسلام ] رواه أحمد والترمذي وابن ماجه.

الصلة الحقيقية أن تصل من قطعك :

المرء إذا زاره قريبه فرد له زيارته ليس بالواصل ، لأنه يكافئ الزيارة بمثلها ، وكذلك إذا ساعده في أمر وسعى له في شأن ، أو قضى له حاجه فردّ له ذلك يمثله لم يكن واصلاً بل هو مكافئ ، فالواصل حقاً هو الذي يصل من يقطعه ، ويزور من يجفوه ويحسن إلى من أساء إليه من هؤلاء الأقارب .

عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [ ليس الواصل بالمكافئ ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها ]. رواه البخاري .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال : يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني ، وأحسن إليهم ويسيؤون إليّ ، وأحلم عليهم ويجهلون عليّ فقال صلى الله عليه وسلم : إن كنت كما قلت فكأنما تُسِفهّم المَلّ ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك ] . رواه مسلم .

والمَلّ: الرماد الحار ، قال النووي : يعني كأنما تطعمهم الرماد الحار ، وهو تشبيه لما يلحقهم من الإثم بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم ، ولا شيء على هذا المحسن إليهم لكن ينالهم إثم عظيم بتقصيرهم في حقه وإدخال الأذى عليه .

ففي الحديث عزاء لكثير من الناس الذين ابتلوا بأقارب سيئين يقابلون الإحسان بالإساءة ويقابلون المعروف بالمنكر فهؤلاء هم الخاسرون .

قطع الأرحام
إن الإساءة إلى الأرحام ، أو التهرب من أداء حقوقهم صفة من صفات الخاسرين الذين قطعوا ما أمر الله به أن يوصل بل إن ذلك جريمة وكبيرة من كبائر الذنوب. وإن الإنسان منا ليسؤوه أشد الإساءة ما يراه بعينه أو يسمعه بأذنيه من قطيعة لأقرب الأرحام الذين فُطر الإنسان على حبهم وبرهم وإكرامهم ، حتى أصبح من الأمور المعتادة أن نسمع أن أحد الوالدين أضطر إلى اللجوء للمحكمة لينال حقه من النفقة أو يطلب حمايته من ابنه ، هذا الذي كان سبب وجوده .

ولا يفعل مثل هذا الجرم إلا الإنسان الذي قسا قلبه وقلت مروءته وانعدم إحساسه بالمسؤولية .

قاطع الرحم ملعون في كتاب الله :

قال الله تعالى: ( فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم . أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم ) . سورة محمد:32-33 .


قاطع الرحم من الفاسقين الخاسرين :

قال الله تعالى: ( وما يضل به إلا الفاسقين . الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون ) البقرة:26-27.

فقد جعل الله من صفات الفاسقين الخاسرين الضالين قطع ما أمر الله به أن يوصل ومن ذلك صلة الأرحام .

قاطع الرحم تعجل له العقوبة في الدنيا :

ولعذاب الأخرة أشد وأبقى :

عن أبي بكر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [ ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه بالعقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم ] . رواه ابو داود والترمذي وابن ماجه .

وقد رأينا مصداق هذا في دنيا الواقع ، فقاطع الرحم غالباً ما يكون تعباً قلقاً على الحياة ، لا يبارك له في رزقه ، منبوذاً بين الناس لا يستقر له وضع ولا يهدأ له بال.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت : هذا مقام العائذ بك من القطيعة : قال نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك ؟ قالت : بلى قال : فذلك لك ] . رواه البخاري.

من عظيم ما أتى به الإسلام أن الأسرة فيه لا تقف عند حدود الوالدين وأولادهما، بل تَتَّسع لتشمل ذوي الرحم وأُولِي القربى من الإخوة والأخوات، والأعمام والعمَّات، والأخوال والخالات، وأبنائهم وبناتهم؛ فهؤلاء جميعًا لهم حقُّ البِرِّ والصِّلَة التي يحثُّ عليها الإسلام، ويَعُدُّهَا من أصول الفضائل، ويَعِدُ عليها بأعظم المثوبة، كما يَتَوَعَّدُ قاطعي الرحم بأعظم العقوبة، فمَنْ وَصَلَ رحمه وَصَلَهُ الله، ومَنْ قَطَعَهَا قَطَعَهُ الله.
وقد وضع الإسلام من الأحكام والأنظمة ما يُوجِبُ دوام الصلة قوية بين هذه الأسرة المُوَسَّعة، بما فيها الأقارب، بحيث يَكْفُلُ بعضهم بعضًا، ويأخذ بعضهم بِيَدِ بعضٍ، كما يُوجب ذلك نظام النفقات، ونظام الميراث، ونظام (العاقلة)؛ ويُرَادُ به توزيع الدِّيَةِ في قتل الخطأ وشبه العمد على عَصَبَةِ القاتل وأقاربه[1].
صلة الرحم في الإسلام

وَصِلَةُ الرحم تعني الإحسان إلى الأقربين، وإيصال ما أمكن من الخير إليهم، ودفع ما أمكن من الشرِّ عنهم؛ فتشمل زيارتهم والسؤال عنهم، وتَفَقُّدِ أحوالهم، والإهداء إليهم، والتصدُّق على فقيرهم، وعيادة مرضاهم، وإجابة دعوتهم، واستضافتهم، وإعزازهم وإعلاء شأنهم، وتكون أيضًا بمشاركتهم في أفراحهم، ومواساتهم في أتراحهم، وغير ذلك ممَّا من شأنه أن يزيد ويُقَوِّيَ من أواصر العَلاقات بين أفراد هذا المجتمع الصغير.
فهي إذن باب خير عميم؛ فيها تتأكَّد وَحْدَة المجتمع الإسلامي وتماسكه، وتمتلئ نفوس أفراده بالشعور بالراحة والاطمئنان؛ إذ يبقى المرء دومًا بمنأى عن الوَحْدَة والعُزْلَة، ويتأكَّد أن أقاربه يُحِيطُونَه بالمودَّة والرعاية، ويمدُّونه بالعون عند الحاجة.
وقد أمر الله -سبحانه- بالإحسان إلى ذوي القربى، وهم الأرحام الذين يَجِبُ وَصْلُهم، فقال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْـمَسَاكِينِ وَالْـجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْـجَارِ الْـجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْـجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا} [النساء: 36].
وجعل الله صِلَةَ الرحم توجب صِلَتَه سبحانه للواصل، وتتابع إحسانه وخيره وعطائه عليه، وذلك كما دَلَّ الحديث القدسي الذي رواه عبد الرحمن بن عوف قال: سمعتُ رسول الله يقول: قال الله: "أَنَا الرَّحْمَنُ وَهِيَ الرَّحِمُ، شَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنَ اسْمِي، مَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ"[2].
وبَشَّرَ الرسولُ الذي يَصِلُ رحمه بسعة الرزق والبركة في العمر، فروى أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله يقول: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ[3]؛ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ"[4].
وقد فَسَّرَ العلماء ذلك بأن هذه الزيادة بالبركة في عمره، والتوفيق للطاعات، وعمارة أوقاته بما ينفعه في الآخرة، وصيانتها عن الضياع في غير ذلك[5].
وفي المقابل فقد جاءت النصوص الصريحة في التحذير من قطيعة الرحم وَعَدِّها ذنبًا عظيمًا؛ إذ إنها تفصم الروابط بين الناس، وتُشِيعُ العداوة والبغضاء، وتعمل على تَفَكُّكِ التماسُكِ الأُسَرِيِّ بين الأقارب؛ فقال الله تعالى محذرًا مِنْ حلول اللعنة، وعمَى البصرِ والبصيرة: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ}



:


يعـاتبني في الديـن قومي وإنمـا ** ديوني في أشيـاء تكسبهـم حَمْداً

أسُـدُّ به ما قد أخلـوا وضيعـوا ** حقـوق ثغـور ما أطاقوا لها سداً

و لي جفنة لا يغلق البـاب دونهـا ** مكللــة لحمــاً مدفقـة ثـرداً

ولي فرس نهـد عتيــق جعلته ** حجـاباً لبيتي ثم أخـدمته عبــداً

وإن الـذي بيني وبيـن بني أبي ** وبيـن بني عمي لمختلـف جـداً

إذا أكلوا لحمي وفـرتُ لحومهـم ** وإن هدمـوا مجدي بنيتُ لهم مجداً

وإن ضيعوا غيبي حفظتُ غيوبهم ** وإن هُمْ هَووا غيِّي هويتُ لهم رشداً

وليسوا إلى نصري سراعاً وإن هُمُ ** دَعَـوْني إلى نصـر أتيتُهم شـداً

وإن زجروا طيراً بنحس يمـر بي ** زجـرت لهم طيـراً يمر بهم سَعْداً

ولا أحمل الحقـد القديـم عليهـم ** وليس رئيسُ القوم من يحملُ الحقدا

لهم جـلُّ مالي إنْ تتـابع لي غنى ** وإن قـلَّ مـالي لم أكلفهم رفــداً

وإني لعبـد الضيف مـا دام نازلاً ** وما شيمة لي غيرهـا تشبه العبـدا

اسأل الله
أن ينفع بنا وبكم
ويجعل عملنا وقولنا خالصاً لوجهه الكريم
 

الخميس، 19 فبراير 2015

قسوة القلوب

بسم الله الرحمن الحيم
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
 
 
قسوة القلوب


ففي هذه الرسالة نصيحة أرجو من الله الجواد الكريم أن ينفعنا بها جميعا وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم.

وفي البداية هذه الرسالة نتعرف جميعا على أسباب قسوة القلوب وكيفية علاجها.


الأسباب

الغفلة، وطول الأمل، وعدم مراقبة الله، واستشعار عظمته، وقوته، وجبروته، وانتقامه، ورحمته، ولطفه وفضله، وجوده، وكرمه.
ومن أسباب قسوة القلوب:

- عدم المحافظة على الصلاة مع الجماعة وعدم الإتيان إليها مبكرا.

- هجر القرآن وعدم قراءته بحضور قلب وخشوع وتدبر.

- الكسب الحرام من الربا والغش في البيع والشراء والرشوة ونحوذلك.

- الكبر والانتقام للنفس واحتقار الناس والاستهزاء بهم.

- الظلم.

- الركون للدنيا والإغترار بها ونسيان الموت والقبر والدار الآخرة.

- النظر المحرم إلى النساء أوالمردان.

- عدم محاسبة النفس وطول الأمل.

- كثرة الكلام بغير ذكر الله عز وجل، كثرة الضحك والمزاح، كثرة الأكل، كثرة النوم.

- الغضب بلا سبب شرعي.

- السفر إلى بلاد الكفر للسياحة.

- الكذب والغيبة والنميمة.

- الجليس السوء.

- الحقد والحسد والبغضاء.

- إضاعة الوقت بغير فائدة وعدم استغلاله في المفيد.

- الإعراض عن تعلم العلم الشرعي.

- إتيان الكهان والسحرة والمشعوذين.

- استعمال المخدرات والمسكرات والدخان والشيشة (النارجيلة) والمعسل.

- عدم قراءة أذكار الصباح وأذكار المساء.

- سماع الأغاني ومشاهدة الأفلام الخليعة والمجلات الهابطة.

- عدم الاهتمام بأمر الدعاء.

أخي المسلم.. أختي المسلمة..
تعرفنا آنفا على أسباب قسوة القلوب أعاذنا الله منها، إذا لنبحث عن العلاج الذي نعالج به جميعا قلوبنا؛ لأن معرفة الداء أول طرق معرفة الدواء.. فلنتابع السير :


علاج قسوة القلوب

- تعلم العلم الشرعي من القرآن والسنة.

- المواظبة على قراءة القرآن الكريم بتدبر وخشوع وحضور قلب مع قراءة تفسير القرآن.

- قراءة سيرة الرسول وأصحابه.

- الصدقة (الحرص على صدقة السر).

- العطف على الفقراء والمساكين والأرامل والمسح على رأس اليتيم.

- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

- بر الوالدين والإحسان إليهما.

- صلة الأرحام.

- زيارة المرضى وتخفيف آلامهم ومواساتهم.

- زيارة مغاسل الموتى (حضور تغسيل الأموات إذا تيسر ذلك).

- زيارة المقابر (للرجال فقط).

- الإكثار من ذكر الله نعالى.

- قيام الليل والحرص على ذلك.

- التواضع وحسن الخلق.

- التبكير للصلاة في المسجد.

- إفشاء السلام على من عرفت ومن لم تعرف.

- محاسبة النفس.

- صفاء النفوس.

- أداء النوافل.

- الجليس الصالح (مجالس الصالحين).

- الحرص على التزود من الدنيا بالعمل الصالح.

- الزهد بالدنيا، والإعراض عنها، وأخذ الكفاية من متاعها.

- تذكر يوم القدوم والعرض على الله يوم القيامة للحساب.

- حب الغير للغير.

- عدم الانتقام للنفس، والعفوعن من ظلمك.

- دعوة غير المسلمين إلى الإسلام (مكاتب الجاليات).

- حفظ الجوارح مما يغضب الله.

- الكسب الحلال.

- سقي الماء.

- الإسهام قدر المستطاع في بناء المساجد.

- زيارة البيت الحرام لأداء العمرة مع الاستطاعة.

- الهدية (تهادوا تحابوا).

- الدعاء لإخوانك المسلمين بظهر الغيب.

- الرفق بالحيوان والإحسان إليه.

- المكث بالمسجد بعد الصلوات (وخصوصا بعد صلاة الفجر حتى طلوع الشمس قدر رمح ثم صلاة ركعتين).

- زيارة المؤسسات الخيرية والاطلاع على أحوال المسلمينفي العالم.

- تجهيز غاز في سبيل الله.

- إنظار المعسر أوالتجاوز عن شيء من دينه.

- صيام التطوع.

- إصلاح ذات البين.

- تذكر الجنة ونعيمها وقصورها وأنهارها وزوجاتها وغلمانها والحياة الأبدية التي لا موت فيها ولا تعب ولا نصب وأعظم من ذلك رؤية الله رب العالمين.

- تذكر النار وجحيمها وسعيرها وأغلالها وزقومها وأوديتها وعقاربها وحياتها وطول المكث فيها، ونعوذ بالله ونستجير بالله من عذاب جهنم. إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً، إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً [الفرقان:65-66].
- التحدث بنعم الله سبحانه وتعالى.

- مراقبة الله في السر والعلن.

- تذكر الموت وسكراته.

- تذكر القبر ووحشته وظلمته وسؤال الملكين.

- الدعاء والإلحاح على الله سبحانه وتعالى. وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60].

الحذر... الحذر من الاستمرار والتهاون بالذنوب

عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله : { إِيَّاكُمْ ‏ ‏وَمُحَقَّرَاتِ ‏‏ الذُّنُوبِ كَقَوْمٍ نَزَلُوا فِي بَطْنِ وَادٍ فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ حَتَّى أَنْضَجُوا خُبْزَتَهُمْ وَإِنَّ ‏‏ مُحَقَّرَاتِ ‏‏ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكْهُ} رواه أحمد، والطبراني، والبيهقي في شعب الإيمان، وغيرهم، والحديث صحيح.

إعلم أخي المسلم.. أختي المسلمة..

أن الاستمرار على الذنوب والتهاون بها سبب رئيس في قسوة القلوب، ولربما لا يوفق العبد بحسن الخاتمة، والعمر فرصة واحدة ولن يتكرر واستفد من وجودك في هذه الحياة بعمل الصالحات والتزود منها، والتخلص من الذنوب والمعاصي، ولا تطل الأمل فقد يفاجئك الموت هذه الليلة على فراشك، فعلينا بالتوبة والرجوع إلى الله قبل فوات الأوان وقبل حضور الأجل.

قال تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ [النساء:18].


لله أشد فرحاً بتوبة عبده

عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله : {‏ ‏لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى ‏ ‏رَاحِلَتِهِ ‏ ‏بِأَرْضِ فَلَاةٍ ‏ ‏فَانْفَلَتَتْ ‏ ‏مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ ‏ ‏رَاحِلَتِهِ ‏ ‏فَبَيْنَا هُوكَذَلِكَ إِذَا هُوبِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ ‏ ‏بِخِطَامِهَا ‏ ‏ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ } [رواه مسلم].
قال تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوالْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53].


وفقنا الله للصالحات والتوبة النصوح قبل الممات ورزقنا خشيته في السر والعلن، ونعوذ بالله من قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن عين لا تدمع، ومن دعوة لا ترفع، ونعوذ بالله من هؤلاء الأربع وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين
 
 

الصلاة نور

بسم الله الرحمن الحيم
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
 ::::::::: أرحنا بها يا بلال :::::::::
إن الصلاة هى باب الرحمة و طلب الهداية.. هى اطمئنان لقلوب المذنبين و البؤساء .. هى معقل المسلم و مفزعه.. هى ميراث النبوة بروحها, و أحكامها متوارثة فى الأمة بظاهرها و باطنها فهى تشتمل على أسمى معانى العبودية و الالتجاء الى الله تعالى و الاستعانة به و التفويض اليه.. لها من الفضل و التأثير فى ربط الصلة بالله تعالى و التقرب اليه ما ليس لشئ آخر..بها وصل المخلصون المجاهدون فى هذه الأمة إلى مراتب عالية من الإيمان و اليقين من الربانية و الروحانية..


هى قرة عين النبى صلى الله عليه و سلم فقد كان يقول " و جعلت قرة عينى فى الصلاة" .. هى أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة.. فرضت على رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو فى سدرة المنتهى فى السماء السابعة.. هى وصية الرسول على فراش الموت"الصلاة..الصلاة و ما ملكت أيمانكم".. فما قولك؟



الصلاة هى أم العبادات فهى عبادة شاملة للقلب و العقل و اللسان.. راحة نفسية..طمأنينة روحية..سلامة من الغفلة ..هى تغيير لوجه الحياة.. و تجديد للنفس..هى و جبات روحية.. تروع ظمأ الروح و تشبع أشواق النفس..هى علاج من القلق و علاج من الجزع.. هى حفظ من المعاصى.. حفظ من البلايا و المحن.. حفظ من العذاب يوم القيامة..



تنمى العقل فهى تحصر الذهن فى المفيد النافع و تعلمنا التركيز و النتباه الصلاة شعار حزب الله المفلحين.. الصلاة هى المقياس الصحيح الذى يُحكم به على دين الرجل.



::::::::: أخاف عليك :::::::::

من حر يوم شديد الحر, طويل الانتظار, بالغ الفزع ، تأتى فيه لتحشر تحت لواء الاسلام فتُبعد .. و تسمع حديث الرسول صلى الله عليه و سلم " بين الرجل و الكفر ترك الصلاة" وتذهب الى الله سبحانه و تعالى ترجوه و تستعطفه فينظر اليك نظرة غضب يسقط لحم وجهك من هولها و تتمسك بأعطاف الرسول صلى الله عليه و سلم ليشفع لك فيزجرك و تأتى الصلاة فتشتكيك لربك و تقول لك ضيعك الله كما ضيعتنى.



أخى هذا يوم الفزع و الخوف.. أفتبخل على نفسك أن تكون مطمئناً فيه و تطمئن قلبك بركعات و سجدات و تسبيحات فى الدنيا تؤديها لمن حفظك فى رحم امك .. و أجرى لك غذائك فى ثديها .. و رعاك فى ارضه.. و سقاك من مائه.. و ما حبس عنك الهواء يوماً.. و أعمل فيك أعضاءً لم يوقفها لحظة.... سبحانه و تعالى.



::::::::: إهرع إلى ربك :::::::::



إذا ضاقت نفسك يوماً بالحياة - فما عدت تطيق آلامها و قسوتها.. إذا تملكك الضجر و اليأس أحسست بالحاجة إلى الشكوى فلم تجد من تشكو له.. و إذا أحسست أن الألم يكاد يتفجر فى صدرك و تجمدت العبرات فى عينيك..إذا ألممت بذنب فى غفلة من أمرك فأفقت على لدغات ضميرك تؤرقك..إذا نكست رأسك خجلاً من نفسك و أحسست بالندم يمزق فؤادك..إذا انقلبت خطيئتك سجناً يحيط بك من كل جانب و حيثما توجهت سد عليك الأفق و حجبه بالظلمات.



اهرع الى ربك اهرع الى ربك اهرع الى ربك .. اهرع الى ربك رب الكون العظيم التواب و مسبب الاسباب مناجياً.. طالباً .. راغباً..شاكياً..باكياً.. قف عند بابه و اسجد و اقترب منه فأنت عبده, بثه شكواك فهو الغنى الواسع سبحانه و تعالى.





::::::::: فى كل مناسبة :::::::::



إن الصلاة فى الاسلام ترتبط ارتباطاً مذهلاً بكافة أنشطة المسلم كفرد و أيضاً الأمة الاسلامية كلها .. فإذا أردت شيئاً من الله فلديك صلاة الحاجة و حتى ان لم يرد فيها نص صريح فكفاك شرفاً السجود لله و طلب حاجتك منه و ما أسعدك يوم يستجيب الله لك..



و اذا أقبلت على عمل أياً كان فى حياتك فصلاة الاستخارة حتى ان الصحابة كانوا يستخيرون على شراء ملح الطعام, و إذا اجتمعت الامة على الفرح كانت صلاة العيد حتى إذا توفى المسلم كانت صلاة الجنازة فلا يكون للعيد طعماً بدون صلاته و لا ليوم الجمعة روعة و اجلالاً بدون فرضه حتى الكسوف حفظنا الله من اضراره فى ذلك اليوم بأن ننشغل فى صلاة طويلة الى ان يمر على خير بإذن الله تعالى.. فسبحان الله العظيم



و فى كل حالة لا يتصور إنسان بغير صلة بالله سبحانه.. لذا لم تسقط الصلاة عنك فى أى حالة كنت فالمريض يؤدى الصلاة حتى لو كانت بكيفية أخرى غير التى تعودنا عليه و يؤديها الصحيح .. المسافر يؤدى الصلاة و له أن يقصر فيها .. المجاهد فى سبيل الله له صلاة الخوف ..



و الرسول صلى الله عليه و سلم يخبرنا و يقول" و جعلت لى الأرض مسجداً و طهورا" بل إن الماء إن غاب تطهرت بالصعيد الطيب و لا تقطعن صلتك بالله تحت أى ظرف
::::::::: الوضوء عبادة :::::::::

يغفل الكثيرون عن ان الوضوء عبادة لها اجر عظيم و لكنها تتحول عند البعض إلى حركات آلية أو لا إرادية أو طقس من الطقوس للإذن فى الدخول الى الصلاة.. ولكنه عند الواعين الطالبين لعلى الاجر و الثواب لا و لن ينفصل عن الصلاة لرب العالمين.

و يرشدنا حديث الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم إلى فضل الوضوء فيقول صلى الله عليه و سلم " إذا توضأ العبد فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر اليها بعينيه مع آخر قطرة ماء فإذا غسل يديه خرجت من يديه كل خطيئة كانت بطشتها يداه مع آخر قطرة ماء فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشت اليها رجلاه مع آخر قطرة ماء حتى يخرج نقياً من الذنوب.... رواه مسلم


فاذا تيقن المسلم أنه حين يتمضمض فكل لفظ خرج من لسانه لا يرضى الله فإن ذنبه يخرج مع ماء الوضوء و كل نظرة منه لا ترضى الله عز و جل يسقط ذنبها مع غسل الوجه و كل كلمة غيبة أو نميمة سمعها بأذنيه تتطهر من رجسها مع ماء الوضوء...


قل لى بالله عليك إذا استشعر الانسان ذلك أثناء الوضوء فكيف يقابل ربه فى صلاته؟؟...

لا بد أنه سيقابله بطهر داخلى و خارجى لا مثيل له..و يقف بين يدى ربه مستشعراً حلاوة المناجاة ... مستعداً لنور الإيمان الذى سيتلقاه ذلك الإناء الطاهر ... قلبه.


::::::::: الشرف عظيم الشرف :::::::::


فقط و انت طاهر... حينما ترفع يديك و عيناك ملؤها الفرح و البشر و الحب و الاقبال على الله.. ثم تجهر بقولك ... الله اكبر... و هى حين تخرج من فمك تكون قد خرجت من قلبك و عقلك و روحك بل من كل ذرة فى كيانك... و أخرجتها صادقاً مخلصاً من كل قطرة من دمك.. حينها فقط ستستمتع بلذة المناجاة و عذب الحوار بينك و بين الله جل فى علاه.

حينها فقط ستدخل جنة ما رأيت مثلها قط ستقول "الحمد لله رب العالمين" فينادى الله عز و جل .. حمدنى عبدى..و تقول " الرحمن الرحيم" فيقول سبحانه و تعلاى مجدنى عبدى .. و تنادى " مالك يوم الدين"فيقول سبحانه أثنى على عبدى.. و حين تعلنها صراحة " إياك نعبد و إياك نستعين" و حين تترجاه و تستعطفه " إهدنا الصراط المستقيم" يقول سبحانه و تعالى سألنى عبدى و لعبدى ما سأل فيهديك صراطه المستقيم فى الدنيا و الآخرة إلى ان تستظل بظله يوم القيامة , و تستمتع برؤية وجهه الكريم فى جنات النعيم .استشعر القرب اشعر به اشعر به اشعر به فان الله ينتظرك .



::::::::: الصدق... الصدق :::::::::


المسلم الصادق يصدق الله فى قوله " الله أكبر" فحين تقول الله أكبر فليستقر فى قلبك و لتؤمن بأنه أكبر من اى شئ .. دع الدنيا خلف ظهرك فالله أكبر من الدنيا جميعاً..دع العمل فالله أكبر.. دع الزوجة و الأولاد فالله اكبر..دع الأموال و الممتلكات فالله اكبر.. إقذف كل ذلك خلف ظهرك و خلص قلبك من شوائبه, وصف عقلك من كل تفكير بغير الله, ساعتها ستشعر بحلاوة الصلاة.

و علم الرسول صلى الله عليه و سلم ذلك فكانت قرة عينه فى الصلاة و إذا قرب موعدها كاد قلبه ينخلع حنيناً و شوقاً إليها... و أخبرت عنه عائشة أنه كان فى خدمة أهله حتى إذا جاءت الصلاة قام كأننا لا نعرفه.

و علم الصحابة ذلك فكان أحدهم يصفر وجهه و يرتجف و هو يتوضأ و حين سألوه .أجابهم : ألا تعلمون بين يدي من سأقف .. لقد علم أن الله أكبر.. و كان الصحابى يصاب فى نوبة حراسته بسهم فلا يخرجه ذلك من صلاته لأنه علم أن .. الله أكبر..

و آخر احتاج الى بتر ساقة فأمرهم ان يبتروها و هو يصلى لأنه اذا دخل الى الصلاة لا يشعر بشئ هل تعلمون لماذا؟ لأن الله أكبر .و ثالث يرى الثعبان أمامه فى سجوده فلا يخرج من صلاته و حين يسأله الناس بعد الصلاة يخبرهم ؟ استحييت أن أخشى من غيره و أنا بين يديه" إنها الحقيقة ... الله أكبر

إنهم و الله يحسدونك على الصلاة "ربما يودٌُ الذين كفروا لو كانوا مسلمين"



و اليك أخى الحبيب بعضاً مما قاله المستشرقون عن الصلاة :

· أثناء زيارة بينيس للقدس فى القرون الوسطى , عبر عن إعجابه الشديد لما شاهده قائلاً:" و بدون أدنى تقليل من شأن القسس, فإن المسلمين يصلون باستمرار و بصورة منتظمة .. ففى أى مكان و فى أوقات محددة منتظمة من اليوم يركعون و يسجدون و يعبدون ربهم فى خشوع عجيب.

· و قد أبدى ريكولدو أحد مفكرى القرون الوسطى إعجابه قائلاً " و ماذا أقول عن صلاتهم ... لقد اندهشت عند رؤيتى لهم و انعزالهم الشديد عن كل ما يحيط بهم و جو الصمت و الاستغراق الكامل أثناء عبادتهم.

· و قال الفيلسوف الفرنسى رينان: "ما دخلت مسجداً قط دون ان تهزنى عاطفة حارة , أو بعبارة أخرى دون ان يصيبنى أسفٌ محقق على أننى لم أكن مسلماً ...... "ربما يودٌُ الذين كفروا لو كانوا مسلمين"

· و قال زكى عريبى و قد كان عميداً لليهود فى مصر ثم اعتنق الاسلام" كان هناك سؤال يتردد فى نفسى و يلح على عقلى دائماً و يهزنى من أعماقى و هو لماذا لا أعتنق الاسلام؟! و ذلك كلما رأيت رجلا متواضعاً من زراع الأرض يقف بين يدى الله مؤدياً صلاته فى المصلى الصغير على شاطئ الترعة , فكنت أود لو ناجيت مثل مناجاته ثم هدانى الله للاسلام و لكن بعد أن حرمت من ذلك خمسة و ستون عاماً.





::::::::: صلاة الجماعة :::::::::

قال عنها رسول الله صلى الله عليه و سلم " صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع و عشرين درجة" متفق عليه . و كما أخبرنا صلى الله عليه و سلم بأن الذاهب الى المسجد و هو متوضئ فله بكل خطوة حسنة و تحط عنه خطيئة" و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم و الذى نفسى بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلاً فيؤم الناس ثم أذهب إلى رجال لإأحرق عليهم بيوتهم" متفق عليه .



و فى ذلك كما يتضح زجر شديد لمن يصلى فى بيته و فى صلاة الجماعة فرصة عظيمة لشد بنيان المجتمع المسلم .. و ما أروع قول الامام قبل الصلاة تماسوا تراحموا. سووا الصفوف لا تختلفوا فى وقوفكم فتختلف قلوبكم... نعم فالتراص و التماس المادى يخلق نوعاً من الوحدة القلبية و الألفة و الحب فى حين يأتى التشتت والفرقة فى الصف المسلم بالتنافر و الشقاق...



و إنك لتعجب عندما ترى الخادم يؤم مخدومه فى الصلاة و الموظف البسيط يؤم صاحب العمل و بينهما فى الدنيا فرق شاسع و لكن فى الصلاة يتقدم الأتقى و الأنقى و الحافظ لحدود الله و اذا ما سجدت الجباه لله ترفعت القلوب عن الكبر و الغرور و إذا ركعت الجوارح نامت الفتن و ذهبت الأحقاد و استقر الخير بين الناس...



::::::::: فى المسجد :::::::::

المسجد...هو بيت الله عز و جل الذى نزوره فيه و كان حقاً على المزور أن يكرم الزائر...إنه ذلك البيت الذى تزيح فيه همومك و تلقى على الله فيه حمولك و تخرج منه بالشرح و السعة و السكينة .. إنه المكان الذى اذا انتظرت فيه الصلاة فلك اجر الرباط ..و إذا مكثت فيه متوضئاً فكأنك صليت نافلة.



و المسجد.. هو الملتقى..فيه يبحث المجتمع شئونه..و يداوى مرضاه..و يغنى فقراءه.. و يرعى أيتامه..و يساعد مساكينه..و يخفف اللوعة عن المحزونين. فالمسجد..كان و سيظل بإذن الله و حفظه إلى جانب كونه مقر للعبادة و الإنابة إلى الله عز و جل فإنه المدرسة و المعهد العلمى و المستشفى و دار الأيتام و مأوى الفقير و مطعم الجائع و كذا هو مصنع و أى شئ يصنع؟



انه يصنع الرجال الصالحون المؤمنون و هو رباط المجاهدين فى سبيل الله تعالى.

::::::::: إقتطف من رياض الجنة :::::::::

1 - الدعاء و الصلاة..قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: "أقرب ما يكون العبد من ربه و هو ساجد فأكثروا الدعاء" رواه مسلم. و قال أيضاً عندما سأل أى الدعاء أسمع؟ قال" جوف الليل الآخر , و دبر كل صلاة" رواه الترمذى

2 - قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: "من قرأ آية الكرسى دبر كل صلاة لم يمنعه من الجنة سوى الموت" رواه النسائى و ابن حبان و الطبرانى بإسناد صحيح

3 - قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: " يا معاذ إنى لأحبك ثم أوصيك يا معاذ لا تدعن فى دبر كل صلاة أن تقول اللهم أعنى على ذكرك و شكرك و حسن عبادتك" رواه أبو داوود و النسائى باسناد صحيح

4 - و جاء المهاجرين الفقراء الى الرسول صلى الله عليه و سلم يقولون ذهب اهل الدثور (أى الغنى و المال) بالدرجات العلى و النعيم المقيم يصلون كما نصلى و يصومون كما نصوم و لهم فضل من أموال يحجون و يعتمرون و يجاهدون و يتصدقون فقال: "ألا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم و تسبقون به من بعدكم و لا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثلما صنعتم" قالوا: بلى يا رسول الله. قال: " تسبحون و تحمدون و تكبرون خلف كل صلاة ثلاثاً و ثلاثين" متفق عليه


::::::::: من كنوز الصلاة :::::::::

- قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: " ركعتا الفجر خير من الدنيا و ما فيها" رواه مسلم
- و قال صلى الله عليه و سلم: " بشروا المشائين فى الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة" رواه أبو داوود و الترمذى
- و قال صلى الله عليه و سلم: " من صلى البردين دخل الجنة " متفق عليه
- و قال صلى الله عليه و سلم: " ما من عبد مسلم يصلى لله تعالى كل يوم اثنتى عشر ركعة تطوعاً غير الفريضة الا بنى الله له بيتاً فى الجنة" رواه مسلم
- و قال صلى الله عليه و سلم: " لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس و قبل غروبها" يعنى الفجر و العصر رواه مسلم
- و قال صلى الله عليه و سلم: " من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر و أربع بعدها حرمه الله على النار" رواه أبو داوود و الترمذى و قال حديث صحيح
- و قال صلى الله عليه و سلم: " يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة فكل تسبيحة صدقة و أمر بالمعروف صدقة و نهى عن المنكر صدقة و يجزئ عن ذلك كله ركعتان يركعهما من الضحى" . رواه مسلم