الجمعة، 4 مارس 2022

الأخوة الصادقة

 








  لا تُعَـيِّــرني 

  1. فإنِّي مُسلِمٌ مِثلك .
لا يَعيبُني طُولُ قامتي أو قِصَرُها ، ولا نحافةُ جِسمي أو ضَخامتُه .
لا يَعيبُني سَوادُ لوني ، ولا فُقدانُ بصري ، ولا بَترُ أحدِ أعضاءِ جِسمي .
. فلا تُعَـيِّـرنـي ..
إذا كنتُ فقيرًا ، فقـد يكونُ الفقرُ خيرًا لي مِن مالٍ يُطغيني .
وإذا كنتُ مريضًا ، فقـد يكونُ المرضُ سببًا في تقرُّبي إلى اللهِ تعالى ، وكثرةِ دُعائي له .
▫وإذا كُنتُ عقيمًا ، فقـد يكونُ هـذا ابتلاءً مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ – يُثيبُني إذا صبرتُ عليه ورَضيتُ بما قَسَمَهُ لي .. فلا تُعَيِّرني بشئٍ ليس لي يَدٌ فيه .
لا تُناديني بلَقَبٍ لا أُحِبُّه .
ولا تُعَيِّرني بذنبِ غيري ، كآبائي أو أجدادي أو أحدِ أقربائي ، بل لا تُعَيِّرني بذنبٍ فعلتُهُ وتابَ اللهُ عليَّ منه ..
واعلم أنَّ اللهَ تعالى قادِرٌ على أنْ يبتلِيَكَ بما ابتلاهُ به ، وقادِرٌ على أنْ يجعلَ الناسَ يُعَيِّروكَ بشئٍ فيكَ قـد تكونُ غافِلاً عنه ، وهو سُبحانه قادِرٌ على أنْ ينتقِمَ لهُ مِنك ..
وقـد قيل : سعادةُ المَرءِ أنْ يَشتغِلَ بعُيوبِ نَفْسِهِ عن عيوبِ غيرِهِ .
وأخيــرًا ، أقولُ لَكَم : إذا رأيتَ مُبتلَىً بشئٍ في نَفْسِهِ أو في أهلِهِ ، فلا تُعَيِّره بذلك ، بل ادعُ له ، واحمد اللهَ تعالى على ما أنتَ فيه مِنَ النّعم ، فقـد يكونُ ما أنتَ فيه مِن صِحَّةٍ وغِنَىً وجاهٍ وغيره ابتلاءً واختبارًا مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ .
واذكُـر قولَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (( مَن رأى منكم مُبتَلَىً فقال : الحمدُ للهِ الذي عافاني مِمَّا ابتلاكَ به ، وفَضَّلني على كثيرٍ مِمَّن خَلَقَ تفضيلاً ، لم يُصبه ذلك البَلاء )) رواه الترمذيُّ وصَحَّحه الألبانيُّ .
وصل اللهم وسلم على نبينا محمد سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لاإله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك ..

الخميس، 23 يناير 2020

تفقد قلبك


بسم الله الرحمان الرحيم 
          
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته


تفقد قلبك
القلب هو ملك الأعضاء في الإنسان , وإذا ما طاب الملك وصلح طابت وصلحت رعيته، وإذا ما فسد الملك فسدت رعيته , ويوم القيامة تتميز القلوب التقية النقية فتصبح هي الأعلى والأسمى والأغلى , قال تعالى : \" يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) سورة الشعراء , وقال : \" وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35) سورة ق.
وعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ، قَالَ : سَمِعْتُهُ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ ، وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ: إِنَّ الْحَلاَلَ بَيِّنٌ ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ ، لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِى الْحَرَامِ ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى ، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى ، أَلاَ وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ ، أَلاَ وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً ، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ.أخرجه \"أحمد\" 4/269(18558) و\"البُخَارِي\" 1/20(52) و\"مسلم\"5/50(4101).
قال ابن رجب رحمه الله تعليقا على ذلك \" ذكر النبي صلى الله عليه وسلم كلمة جامعة لصلاح حركات ابن آدم وفسادها؛ وأن ذلك كله بحسب صلاح القلب وفساده، فإذا صلح القلب صلحت إرادته، وصلحت جميع الجوارح؛ فلم تنبعث إلا إلى طاعة الله واجتناب سخطه، فقنعت بالحلال عن الحرام. وإذا فسد القلب فسدت إرادته، ففسدت الجوارح كلها؛ وانبعثت في معاصي الله عز وجل وما فيه سخطه، ولم تقنع بالحلال؛ بل أسرعت في الحرام بحسب هوى القلب وميله عن الحق \". فتح الباري 1/208 .
قال أبو هريرة رضي الله عنه : القلب ملك ، والأعضاء جنوده ، فإذا طاب الملك طابت جنوده ، وإذا خبث الملك خبثت جنوده .
وقال ابن تيمية : فَإِنَّ الْقَلْبَ هُوَ الْمَلِكُ وَالْأَعْضَاءُ جُنُودُهُ . وَهُوَ الْمُضْغَةُ الَّذِي إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ لَهَا سَائِرُ الْجَسَدِ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ لَهَا سَائِرُ الْجَسَدِ .مجموع الفتاوي 2/6.
قال تعالى :\" هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (4) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (5) سورة الفتح .
فالمرء يوزن عند الله عز وجل بقلبه لا بجسمه، قال يحيى بن معاذ رحمه اله: القلوب كالقدور في الصدور تغلي بما فيها، ومغارفها ألسنتها، فانتظر الرجل حتى يتكلم فإن لسانه يغترف لك ما في قلبه من بين حلو وحامض، وعذب وأجاج، يخبرك عن طعم قلبه اغتراف لسانه. رواه أبو نعيم في الحلية10/63.
وإذا تراكمت سحب المعاصي على القلب جبت السحب نور الإيمان في القلب ,كما تحجب السحابة الكثيفة نور القمر عن الأرض،فإذا انقشعت السحب ظهر نور القمر لأهل الأرض مرة أخرى, كذلك إذا انقشعت سحب المعاصي والذنوب عن القلب ظهر نور الإيمان في القلوب،فلا بد من تعهد القلب، ولابد من تجديد الإيمان في القلب وزيادته من آن لآخر .
عَنْ أبِي مُوسَى ، قال : قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّمَا سُمِّيَ الْقَلْبُ مِنْ تَقَلُّبهِ ، إِنَّمَا مَثَلُ الْقَلْبِ كَمَثَلِ رِيشَةٍ مُعَلَّقَةٍ فِي أَصْلِ شَجَرَةٍ ، يُقَلِّبُهَا الرًّيحُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ. أخرجه أحمد 4/408 حديث رقم : 2365 في صحيح الجامع .
والعاقل هو من يتفقد قلبه ويتعاهده دائماً ويختبر قوة ثابتة على الطاعة والإيمان , عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ ، قَالَ:أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ لاَ أَدَعَ شَيْئًا مِنَ الْبِرِّ وَالإِثْمِ إِلاَّ سَأَلْتُهُ ، فَأَتَيْتُهُ فِي عِصَابَةٍ مِنَ النَّاسِ يَسْتَفْتُونَهُ ، فَجَعَلْتُ أَتَخَطَّاهُمْ ، فَقَالُوا : إِلْيَكَ يَا وَابِصَةُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقُلْتُ : دَعُونِي أَدْنُوَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَإِنَّهُ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ أَنْ أَدْنُوَ مِنْهُ ، قَالَ : دَعُوا وَابِصَةَ ، ادْنُ يَا وَابِصَةُ ، اسْتَفْتِ قَلْبَكَ ، وَاسْتَفْتِ نَفْسَكَ ، اسْتَفْتِ قَلْبَكَ ، وَاسْتَفْتِ نَفْسَكَ ، الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ ، وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِى النَّفْسِ ، وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ ، ثَلاَثًا.أخرجه أحمد 4/228(18164) و\"الدارِمِي\" 2533 رقم : 2881 في صحيح الجامع .
وقال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه\" : مَن أحب أن يعلَم أصابتْه الفتنة أوْ لا : فلينظر ، فإن رأى حلالاً كان يراه حراماً ، أو يرى حراماً كان يراه حلالاً : فليعلم أن قد أصابته\" . رواه ابن أبي شيبة في \" المصنف \" ( 15 / 88 ) .
دَخَلَ أَبُو مَسْعُودٍ البدري رضي الله عنه عَلَى حُذَيْفَةَ ، فَقَالَ : اعْهَدْ إِلَىَّ !! فَقَالَ لَهُ : أَلَمْ يَأْتِكَ الْيَقِينُ ؟ قَالَ : بَلَى وَعِزَّةِ رَبِّى !! قَالَ : فَاعْلَمْ أَنَّ الضَّلاَلَةَ حَقَّ الضَّلاَلَةِ ، أَنْ تَعْرِفَ مَا كُنْتَ تُنْكِرُ ، وَأَنْ تُنْكِرَ مَا كُنْتَ تَعْرِفُ ، وَإِيَّاكَ وَالتَّلَوُّنِ فَإِنَّ دِينَ اللَّهِ وَاحِدٌ !! . رواه عبد الرزاق في مصنفه 11/249.
وقال الحسن البصري رحمه الله : تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء : في الصلاة ، وفي الذكر ، وقراءة القرآن ، فإن وجدتم ، وإلا فاعلموا أن الباب مغلق .الرسالة القشيرية 102.
والقلوب أصناف وأنواع , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لْقُلُوبُ أَرْبَعَةٌ قَلْبٌ أجْرَدُ فِيهِ مِثْلُ السِّرَاجِ يُزْهِرُ وَقَلَبٌ أَغْلَفُ مَرْبُوطٌ عَلَى غِلاَفِهِ وَقَلْبٌ مَنْكُوسٌ وَقَلَبٌ مُصْفَحٌ فَأَمَّا الْقَلْبُ الأَجْرَدُ فَقَلْبُ الْمُؤْمِنِ سِرَاجُهُ فِيهِ نُورُهُ وَأَمَّا الْقَلْبُ الأَغْلَفُ فَقَلْبُ الْكَافِرِ وَأَمَّا الْقَلْبُ المَنْكُوسُ فَقَلْبُ الْمُنَافِقِ عَرَفَ ثُمَّ أَنْكَرَ وَأَمَّا الْقَلْبُ المُصْفَحُ فَقَلْبٌ فِيهِ إِيمَانٌ وَنِفَاقٌ فَمَثَلُ الإِيمَانِ فِيهِ كَمَثَلِ الْبَقْلَةِ يَمُدُّهَا الْمَاءُ الطَّيِّبُ وَمَثَلُ النِّفَاقِ فِيهِ كَمَثَلِ الْقُرْحَةِ يَمُدُّهَا الْقَيْحُ وَالدَّمُ فَأَىُّ الْمَدَّتَيْنِ غَلَبَتْ عَلَى الأُخْرَى غَلَبَتْ عَلَيْهِ.أخرجه أحمد 3/17(11146) السلسلة الضعيفة 1/17.
قَالَ حُذَيْفَةُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ ، عُودًا عُودًا ، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا ، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ ، وَأَيُّ قَلْب أَنْكَرَهَا ، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفََا ، فَلاَ تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ ، وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا ، كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا ، لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفًا ، وَلاَ يُنْكِرُ مُنْكَرًا ، إِلاَّ مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ. أخرجه أحمد 5/386(23669) و\"مسلم\" 1/89(286)انظر حديث رقم : 2960 في صحيح الجامع .
وقال صاحب غذاء الألباب : واعْلَمْ أَنَّ الْقُلُوبَ ثَلاثَةٌ : قَلْبٌ خَالٍ مِنْ الإِيمَانِ وَجَمِيعِ الْخَيْرِ فَذَلِكَ قَلْبٌ مُظْلِمٌ قَدْ اسْتَرَاحَ الشَّيْطَانُ مِنْ إلْقَاءِ الْوَسَاوِسِ إلَيْهِ ، لأَنَّهُ قَدْ اتَّخَذَهُ بَيْتًا وَوَطَنًا وَتَحَكَّمَ فِيهِ بِمَا يُرِيدُ ، وَتَمَكَّنَ مِنْهُ غَايَةَ التَّمَكُّنِ .
الثَّانِي قَدْ اسْتَنَارَ بِنُورِ الإِيمَانِ وَأَوْقَدَ فِيهِ مِصْبَاحَهُ ، لَكِنْ عَلَيْهِ ظُلْمَةُ الشَّهَوَاتِ وَعَوَاصِفُ الأَهْوِيَةِ ، فَلِلشَّيْطَانِ هُنَاكَ إقْبَالٌ وَإِدْبَارٌ ، وَمُجَاوَلاتٌ وَمَطَامِعُ ، فَالْحَرْبُ دُوَلٌ وَسِجَالٌ .
وَتَخْتَلِفُ أَحْوَالُ هَذَا الصِّنْفِ بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَوْقَاتُ غَلَبَتِهِ لِعَدُوِّهِ أَكْثَرُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْقَاتُ غَلَبَةِ عَدُوِّهِ لَهُ أَكْثَرُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ تَارَةً وَتَارَةً .
الثَّالِثُ قَلْبٌ مَحْشُوٌّ بِالإِيمَانِ ، قَدْ اسْتَنَارَ بِنُورِ الإِيمَانِ ، وَانْقَشَعَتْ عَنْهُ حُجُبُ الشَّهَوَاتِ ، وَأَقْلَعَتْ عَنْهُ تِلْكَ الظُّلُمَاتُ ، فَلِنُورِهِ فِي صَدْرِهِ إشْرَاقٌ ، وَإِيقَادٌ لَوْ دَنَا مِنْهُ الْوَسْوَاسُ لأَدْرَكَهُ الاحْتِرَاقُ ، فَهُوَ كَالسَّمَاءِ الْمَحْرُوسَةِ بِالنُّجُومِ ، فَلَيْسَ لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ سُلْطَانٌ وَلا هُجُومٌ ، وَلَيْسَتْ السَّمَاءُ بِأَعْظَمَ حُرْمَةً مِنْ الْمُؤْمِنِ الَّتِي حَرَسَهَا بِالنُّجُومِ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ ، فَكَمَا أَنَّ السَّمَاءَ مُتَعَبَّدُ الْمَلائِكَةِ الْكِرَامِ وَمُسْتَقَرُّ الْوَحْيِ السَّدِيدِ ، فَقَلْبُ الْمُؤْمِنِ مُسْتَقَرُّ التَّوْحِيدِ ، وَالإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ وَمَعْرِفَةِ الْمَجِيدِ ، فَهُوَ حَرِيٌّ أَنْ يُحْرَسَ وَيُحْفَظَ وَيُبْعَدَ عَنْهُ الشَّيْطَانُ وَيُدْحَضَ ، قَدْ امْتَلأَ مِنْ جَلالِ اللَّهِ وَعَظَمَتِهِ ، وَمُرَاقَبَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ .
فَأَيُّ شَيْطَانٍ يَجْتَرِئُ عَلَى هَذَا الْقَلْبِ ، وَإِنْ أَرَادَ سَرِقَةَ شَيْءٍ مِنْهُ رَشَقَتْهُ الْحَرَسُ بِنَبْلِ الْيَقِينِ ، وَسِهَامِ الدُّعَاءِ ، وَمَنْجَنِيقِ الالْتِجَاءِ ، وَسُيُوفِ الْمَحَبَّةِ وَالْقُرْبِ ، وَرُبَّمَا ظَفِرَ مِنْهُ بِخَطْفَةٍ يَخْطَفُهَا أَوْ شُبْهَةٍ يَقْذِفُهَا عَلَى غَفْلَةٍ مِنْ الْعَبْدِ وَغَيْرَةٍ فِيهِ فَيُشَبِّهُ لَهُ وَتَكُونُ لَهُ عَلَيْهِ الْكَرَّةُ ، لأَنَّهُ بَشَرٌ ، وَأَحْكَامُ الْبَشَرِيَّةِ جَارِيَةٌ عَلَيْهِ . السفاريني الحنبلي: غذاء الألباب شرح منظومة الآداب 1/48.

وللقلب المريض أعراض تظهر عليه منها :
1 – النفور من الطاعات والأعمال الصالحة.
2 - إلف المعاصي والشهوات والإقبال عليها .
3 – نسيان ذكر الله تعالى وعدم خشيته.
5 – مصاحبة أهل السوء ومعاداة أهل الخير والحق.
ومريض القلب نوعان: نوع لا يتألم به صاحبه في الحال، وهو النوع المتقدم كمرض الجهل والشبهات والشكوك ومرض الشهوات وهذا النوع من أعظم النوعين آلمًا ولكن لفساد قلب صاحب لا يحس بالألم وعلاجه إلى الرسل وورثة الأنبياء فهم أطباء هذا المرض، والنوع الثاني: مرض مؤلم له في الحال؛ كالهم والحزن والغيظ وهذا المرض قد يزول بأدوية طبيعية كإزالة أسبابه؛ لأن أمراض القلب التي تزول بالأدوية الطبيعية من جنس أمراض البدن وهذه قد لا توجب وحدها شقاءه وعذابه بعد الموت، وأما أمراضه التي لا تزول إلا بالأدوية الإيمانية النبوية فهي التي توجب له الشقاء والعذاب الدائم إن لم يتداركها بأدويتها المضادة لها، فإذا استعمل الأدوية الإيمانية حصل الشفاء وهذه بعض الأدوية التي تعالج مرض القلوب وحتى يصل- بإذن الله- وينضم إلى القلوب السليمة.

وعلاج القلب له سبله وطرقه الكثيرة والتي منها :


1- المحافظة والمسارعة في أداء العبادات والفرائض :

فالحافظة على العبادات والمسارعة في أدائها يوقظ القلب من غفلته ويجدد فيه منابع الإيمان , كما أن المحافظة على أداء الفرائض التي فرضها الله تعالى حياة للقلب ونجاة له , فالصلاة تعلم المسلم الخشية والمراقبة من الله تعالى , قال تعالى :\" فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38) سورة النور.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِى ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ الإِمَامُ الْعَادِلُ ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِى عِبَادَةِ رَبِّهِ ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِى الْمَسَاجِدِ ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا في اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّى أَخَافُ اللَّهَ . وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ. أخرجه أحمد 2/439(9663) و\"البُخاري\" 1/168(660) و8/125(6479) و\"مسلم\" 3/93.
عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم : ثلاثةٌ يحبُّهم اللهُ عزّ وجلّ ، ويضحكُ إليهم ، ويستبشرُ بهم :الذي إذا انكَشَفتْ فئةٌ ؛ قاتلَ وراءَها بنفسِه لله عزّ وجلّ ، فإمّا أنْ يُقتلَ ، وإمّا أن يَنصُرَه اللهُ و يكفِيَه ، فيقولُ اللهُ : انظرُوا إلى عبدِي كيف صَبَرَ لي نفسَه؟! والذي له امرأة حسناء ، وفراش لين حسن ، فيقوم من الليل ، يذر شهوتَه ، فيذكُرني ويناجيني ، ولو شاءَ رقَدَ !والذِي يكونُ في سَفَرٍ ، وكانَ معَه ركْبٌ ؛ فسهِرُوا و نصِبُوا ثمّ هَجَعُوا ، فقامَ من السّحرِ في سرّاءَ أو ضرّاءَ . أخرجه الحاكم (1/25) ، والبيهقي ص 471 ـ472) السلسلة الصحيحة برقم 3478.
وتعظيم مناسك الحج وأداء شعائره كما ينبغي من تقوى القلوب , قال تعالى : \" ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32) سورة الحج.
وتدبر القرآن مفتاح للقلوب , قال تعالى :\" أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (26) سورة محمد .
ورأت فأرة جملا فأعجبها فجرت خطامه فتبعها فلما وصلت إلى باب بيتها وقف فنادى بلسان الحال إما أن تتخذي دارا تليق بمحبوبك أو محبوبا يليق بدارك وهكذا أنت إما أن تقبل على الله بقلب يليق به وإما أن تتخذ معبودا يليق بقلبك ، تعاهد قلبك فإن رأيت الهوى قد أمال أحد الحملين فاجعل في الجانب الآخر ذكر الجنة والنار ليعتدل الحمل فإن غلبك الهوى فاستعنت بصاحب القلب يعينك على الحمل فإن تأخرت الإجابة فابعث رائد الانكسار خلفها تجده عند المنكسرة قلوبهم مع الضعف أكثر فتضاعف ما أمكنك. بدائع الفوائد لابن القيم 3/754.
قال الحسن البصري : حادثوا هذه القلوب فإنها سريعة الدثور، واقرعوا النفوس فإنها خليعة.
قال الشافعي :
إن كنت تغدو في الذنوب جليدا * * * وتخاف في يوم المعاد وعيدا
فلقد أتاك من المهيمن عفوه * * * وأفاض من نعم عليك مزيدا
لا تيأسن من لطف ربك في الحشا * * * في بطن أمك مضغة ووليدا
لو شاء أن تصلى جهنم خالدا * * * ما كان أَلْهمَ قلبك التوحيدا

2- الإكثار من ذكر الله عز وجل:

ذكر الله تعالى حياة للقلوب وطمأنينة لها , قال تعالى : \" إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) سورة الأنفال .
وقال : \" الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) سورة الرعد.
فالقلب السليم يتغذى من ذكر الله بما يزكيه ويقويه ويؤيده ويفرحه ويسره وينشطه ويثبت ملكه، كما يتغذى البدن بما ينميه ويقويه، وكلٌّ من القلب والبدن محتاج إلى أن يتربى فينمو ويزد حتى يكمل ويصلح، فكما أن البدن محتاج إلى أن يزكو بالأغذية المصلحة له والحمية عما يضره فلا ينمو إلا بإعطائه ما ينفعه ومنع ما يضره، فكذلك القلب لا يزكو ولا ينمو ولا يتم صلاحه إلا بذكر الله، وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الذكر للقلب مثل الماء للسمك فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لاَ تُكْثِرُوا الْكَلاَمَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ فَإِنَّ كَثْرَةَ الْكَلاَمِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ قَسْوَةٌ لِلْقَلْبِ وَإِنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ الْقَلْبُ الْقَاسِى. أَخْرَجَهُ الترمذي (2411).
سأل أحمد بن حنبل شيبان الراعي – وكان أميا - : ما تقول فيمن نسي صلاة من خمس صلوات في اليوم والليلة ، ولا يدري أي صلاة نسيها ، ما الواجب عليه : يا شيبان ؟! فقال شيبان : يا أحمد، هذا قلب غفل عن الله تعالى ، فالواجب أن يؤدب حتى لا يغفل عن مولاه بعدُ !! فغشي على أحمد .

3- مجاهدة القلب وتصفيته من العلل والأمراض :

من علاج القلوب مجاهدة القلب وتصفيته وتنقيته من العلل والأمراض التي تكون سببا في الطبع على القلب والطمس عليه , قال تعالى : \" إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) سورة البقرة .
وقال سبحانه : \" وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13) سورة المائدة .
وقال تعالى : \" يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41) سورة المائدة .
فالتقوى محلها القلب , عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:الْمُسْلِمُ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ ، دَمُهُ وَعِرْضُهُ وَمَالُهُ ، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ ، لاَ يَظْلِمُهُ ، وَلاَ يَخْذُلُهُ ، وَالتَّقْوَى هَا هُنَا ، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الْقَلْبِ ، قَالَ : وَحَسْبُ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ.أخرجه أحمد 3/491(16115) حديث رقم : 6706 في صحيح الجامع .
والقلب التقي النقي هو أقرب القلوب إلى الله تعالى , عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو . قال:قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم : أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ ، صَدُوقِ اللِّسَانِ . قَالُوا : صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ ؟ قَالَ : هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ ، لاَ إِثْمَ فِيهِ ، وَلاَ بَغْيَ ، وَلاَ غِلَّ ، وَلاَ حَسَدَ. أخرجه ابن ماجة (4216) الألباني في \"السلسلة الصحيحة\" 2 / 669 .
عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ:بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ ، تَنْطُِفُ لِحْيَتُهُ مَاءً مِنْ وَضُوئِهِ ، مُعَلِّقٌ نَعْلَيْهِ فِي يَدِهِ الشِّمَالِ ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ مَرْتَبَتِهِ الأُولَى ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ مَرْتَبَتِهِ الأُولَى ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، تَبِعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، فَقَالَ : إِنِّي لاَحَيْتُ أَبِي ، فَأَقْسَمْتُ أَنْ لاَ أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلاَثَ لَيَالٍ ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِيَنِي إِلَيْكَ حَتَّى تَحِلَّ يَمِينِي فَعَلْتَ ، فَقَالَ : نَعَمْ، قَالَ أَنَسٌ : فَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يُحَدِّثُ : أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ لَيْلَةً ، أَوْ ثَلاَثَ لَيَالٍ ، فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ بِشَيْءٍ ، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا انْقَلَبَ عَلَى فِرَاشِهِ ذَكَرَ اللهَ وَكَبَّرَ ، حَتَّى يَقُومَ لِصَلاَةِ الْفَجْرِ ، فَيُسْبِغُ الْوُضُوءَ ، قَالَ عَبْدُ اللهِ : غَيْرَ أَنِّي لاَ أَسْمَعُهُ يَقُولُ إِلاَّ خَيْرًا ، فَلَمَّا مَضَتِ الثَلاَثُ لَيَالٍ كِدْتُ أَحْتَقِرُ عَمَلَهُ ، قُلْتُ : يَا عَبْدَ اللهِ ، إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ وَالِدِي غَضَبٌ وَلاَ هَجْرَةٌ ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول لك ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ، فِي ثَلاَثِ مَجَالِسَ: يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَطَلَعْتَ أَنْتَ تِلْكَ الثَلاَثَ مَرَّاتٍ ، فَأَرَدْتُ آوِي إِلَيْكَ ، فَأَنْظُرَ عَمَلَكَ ، فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَبِيرَ عَمَلٍ ، فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ؟ قَالَ : مَا هُوَ إِلاَّ مَا رَأَيْتَ ، فَانْصَرَفْتُ عَنْهُ ، فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي ، فَقَالَ : مَا هُوَ إِلاَّ مَا رَأَيْتَ ، غَيْرَ أَنِّي لاَ أَجِدُ فِي نَفْسِي غِلاًّ لأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَلاَ أَحْسُدُهُ عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ ، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو : هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ ، وَهِيَ الَّتِي لاَ نُطِيقُ.أخرجه أحمد 3/166(12727) وقال محققه شعيب الأرناؤط : إسناده صحيح على شرط الشيخين , ورواه الترمذي ( 3694 ) و\"النَّسائي\" ، في \"عمل اليوم والليلة\" 863 , والطبراني والحاكم في المستدرك ( 3/73 ) وصححه ووافقه الذهبي .
قال مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ ؛ قَالَ : نَزَلَ سَلْمَانُ وَحُذَيْفَةُ عَلَى نَبَطِيَّةٍ ، فَلَمَّا حَضَرَتِ الصَّلاةُ ؛ قَالَ أَحَدُهُمَا : هل ها هنا مَكَانٌ طَاهِرٌ نُصَلِّي فِيهِ ؟ فَقَالَتْ : طَهِّرْ قَلْبَكَ . وَصَلِّ حَيْثُ شِئْتَ . فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ : خُذْهَا مِنْ قَلْبِ كَافِرٍ. المجالسة وجواهر العلم 6/228, الحلية 1/206.

4- طلب العلم الشرعي ولزومه:

طلب العلم الشرعي ولزومه سبب لنزول السكينة وطمأنينة القلب وسلامته: قال تعالى : \" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ . سورة المجادلة: 11.
وقال تعالى على لسان العلماء المخبتين : \" رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) سورة آل عمران .
عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ في الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ إِذْ أَقْبَلَ نَفَرٌ ثَلاَثَةٌ فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَذَهَبَ وَاحِدٌ فَلَمَّا وَقَفَا عَلَى مَجْلِسِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم سَلَّمَا فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً في الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا وَأَمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ أَلاَ أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلاَثَةِ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللهِ فَآوَاهُ اللَّهُ وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ. أخرجه \"البُخاري\" 1/26(66) و\"مسلم\" 7/9.

5- المسارعة في فعل الخيرات :

المسارعة في الخيرات والمسابقة في فعل الصالحات من صفات المؤمنين المتقين , قال تعالى : \" وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . سورة البقرة: 148.
فالمسلم يرى غناه في قلبه , وفي حبه للخير وحرصه عليه , عَنْ أَبِي ذَرٍّ , أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: \" يَا أَبَا ذَرٍّ , أَتَرَى كَثْرَةَ الْمَالِ هِيَ الْغِنَى ؟ \" , قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ هِيَ الْغِنَى . قَالَ: \" وَتَرَى أَنَّ قِلَّةَ الْمَالِ هِيَ الْفَقْرُ ؟ \" , قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ هِيَ الْفَقْرُ . قَالَ: \" لَيْسَ كَذَلِكَ , إِنَّمَا الْغِنَى غِنَى الْقَلْبِ , وَالْفَقْرُ فَقْرُ الْقَلْبِ \" أخرجه البيهقي فى شعب الإيمان (7/356 ، رقم 10570) والحاكم (4/363 ، رقم 7929) انظر حديث رقم : 7816 في صحيح الجامع .
وعن ابن عمر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" إن الإيمان ليَخْلَقُ فى جوف أحدكم كما يَخْلَقُ الثوب فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم. أخرجه الحاكم ( 1 / 4 )الألباني في \" السلسلة الصحيحة \" 4 / 113 .
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ : لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ، مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً ، أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ : لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ، مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً ، أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ : لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ، مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً. أخرجه أحمد 3/116(12177) و\"البُخَارِي\" 1/17(44) و\"مسلم\" 1/125(397).

6- البعد عن مواطن الفتن والشبهات :

العاقل إذا أراد السلامة لقلبه ابتعد عن مواطن الفتن والشبهات , فلا يتكبر ولا يتجبر , قال تعالى :\" الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35) سورة غافر .
وقال تعالى :\" وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179) سورة الأعراف .
عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ:كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ : يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ . فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللهِ ، يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ. أخرجه \"أحمد\" 3/112(12131) والتِّرْمِذِيّ\" 2140 و(أبو يَعْلَى) 3687.
وعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، رَضِيَ اللهُّ عَنْهُمَا ، أنَّ صَفِيَّةَ ، زَوْج النَّبِيّ ِصلى الله عليه وسلم أخْبَرَتْهُ ،أنَّهَا جَاءَتْ رَسُولَ اللهِّ صلى الله عليه وسلم تَزُورُهُ فِي آعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ في الْعَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً ، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ . فَقَامَ النَّبِيّ ًصلى الله عليه وسلم مَعَهَا يَقْلِبُهَا ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ ، عِنْدَ بَابِ أمِّ سَلَمَة ، مَرَّ رَجُلانِ مِنَ الأنْصَارِ فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ صلى الله عليه وسلم . فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: عَلَى رِسْلِكُمَا ، إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيٍّ . فَقالا : سُبْحَانَ الله يَا رَسُولَ اللهِّ ، وَكَبُرَ عَلَيْهمَا . فَقَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الإنْسَانِ مَبْلَغَ الدمِ ، وَإِنِّيَ خَشِيتُ أنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا.أخرجه أحمد 6/337 و\"البُخَارِي\" 3/64 و8/60 و\"مسلم\" 7/8.

7- مجالسة أهل الصلاح والإيمان :

مجالسة الصالحين ومحادثة المؤمنين المتقين فيها حياة للقلوب وراحة للأرواح , قال تعالى : \" وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63) سورة الأنفال .
ففي مجالستهم الخوف من الله ونقاوة في القلب؛ لأن الأوساط الدنيوية والخوض في غمارها دائمًا يبعد عن الله ويُقَسِّي القلب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَلاَ هَلْ عَسَى أَحَدُكُمْ أَنْ يَتَّخِذَ الصُّبَّةَ مِنَ الْغَنَمِ عَلَى رَأْسِ مِيلٍ أَوْ مِيلَيْنِ ، فَيَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْكَلأُ ، فَيَرْتَفِعَ ، ثُمَّ تَجِيءُ الْجُمُعَةُ فَلاَ يَجِيءُ وَلاَ يَشْهَدُهَا ، وَتَجِيءُ الْجُمُعَةُ فَلاَ يَشْهَدُهَا ، وَتَجِيءُ الْجُمُعَةُ فَلاَ يَشْهَدُهَا ، حَتَّى يُطْبَعَ عَلَى قَلْبِهِ. أخرجه ابن ماجة (1127) و((ابن خزيمة)) 1859 رقم : 2656 في صحيح الجامع .
فالمسلم محب لإخوانه يدعوا لهم دائما بالخير , قال تعالى : \" وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10) سورة الحشر .
ويحسن التعامل معهم , قال تعالى :\" فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) سورة آل عمران .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (إن لله تعالى آنية من أهل الأرض وآنية ربكم قلوب عباده الصالحين، وأحبها ألينها وأرقُها) أخرجه الطبراني في \" المعجم الكبير \" ( ق 40 / 1)الألباني ( حسن ) انظر حديث رقم : 2163 في صحيح الجامع .

8- الإكثار من ذكر الموت وهادم اللذات:

في تذكر الموت حياة للقلوب وإيقاظ لها من غفلتها وسباتها , قال تعالى :\" إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37) سورة ق .
وقال : \" وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (18) يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19) سورة غافر .
وبهذا كان يأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ,عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِى رَبَاحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ :كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَىُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ قَالَ : أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا قَالَ فَأَىُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ قَالَ : أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادًا أُولَئِكَ الأَكْيَاسُ.أَخْرَجَهُ ابن ماجة (4259) الألباني :حسن ، الصحيحة ( 1384 ).

وهذا هو دأب السلف الصالح، فقد ورد عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يذكر الموت هو وأصحابه حتى يبكوا وكأن الجنازة بين أيديهم، وقد خرج رحمه الله هو وميمون بن مهران يومًا لزيارة المقابر فلما نظر إليها بكى ثم قال: «يا ميمون, هذه قبور آبائي بني أمية كأنهم لم يشاركوا أهل الدنيا في لذاتهم ألا تراهم صرعى قد حلت بهم المثلات واستحكم بهم البلاء وأصاب الهوام مقيلاً في أبدانهم، ثم بكى وقال: والله لا أعلم أحدًا كان أنعم منهم في الدنيا وقد أمن من عذاب الله.
وعن أبي زكريا التيمي قال: بينا سليمان بن عبد الملك في المسجد الحرام إذ أتى بحجر منقوش فطلب من يقرؤه فإذا فيه: ابن آدم لو رأيت قرب ما بقي من أجلك لزهدت في طول أملك ولرغبت في الزيادة في عملك ولقصرت من حرصك وحيلك، وإنما يلقاك ندمك لو قد زلَّت بك قدمك وأسلمك أهلك وحشمك فبان منك الولد والنسب, فلا أنت إلى دنياك عائد، ولا في حسناتك زائد فاعمل ليوم القيامة يوم الحسرة والندامة. الغزالي : إحياء علوم الدين 7/146.
وقال أحد السلف: من أكثر من ذكر الموت أكرم بثلاث: تعجيل التوبة، وسلامة القلب وقناعته، ونشاط في العبادة، ومن نسي ذكر الموت عوقب بثلاث: تسويف التوبة، وترك الرضا بالكفاف، والتكاسل في العبادة.
قال بعض السلف: رأيت شاباً في سفح جبل عليه آثار القلق ودموعه تتحادر، فقلت: من أين ؟، فقال : آبق من مولاه ، قلت : فتعود فتعتذر ؟ فقال : العذر يحتاج إلى حجة ولا حجة للمفرط ، قلت فتتعلق بشفيع ؟ قال : كل الشفعاء يخافون منه ، قلت : من هو ؟ قال : مولى رباني صغيراً فعصيته كبيراً ، فوا حيائي من حسن صنعه وقبح فعلي ، ثم صاح فمات ، فخرجت عجوز فقالت : من أعان على قتل البائس الحيران ؟ فقلت : أقيم عندك أعينك عليه ، فقالت : خلّه ذليلاً بين يدي قاتله عساه يراه بغير معين فيرحمه . المدهش لابن الجوزي 358 .
قال الشافعي :
ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي * * * جعلت الرجا مني لعفوك سلما
تعاظمني ذنبي فلما قرنته * * * بعفوك ربي كان عفوك أعظما
فما زلت تعفو عن الذنب لم تزل * * * تجود وتعفو منّة وتكرّما
فلولاك لم ينجو من إبليس عابد * * * وكيف وقد أغوى صفيّك آدما

كان سفيان الثوري نائماً واضعاً رأسه في حجر عبد الرحمن ، ويحيى بن سعيد القطان عند رجليه، وفجأة انخرط سفيان في بكاءٍ عميق، فقال له: يحيى بن سعيد : ما يبكيك يا أبا عبد الله ، ألست تقدم على الذي كنت تعبده؟ الذي أفنيت حياتك فيه ولأجله، فأنت قادم عليه، وتخرج من الضيق إلى السعة، وأنت ممن قضى حياته في عبادة ربه، أتخشى ذنوبك؟ فأخذ سفيان الثوري تبنة - قشة من على الأرض- وقال: لذنوبي أهون عليّ من هذه، إنما أخشى سوء الخاتمة، ما أخشى ذنبي، إنما أخشى سوء الخاتمة.
يقول عمرو بن ميمون بن مهران: خرجت بأبي أقوده في بعض سكك البصرة، فمررت بجدول، فلم يستطع الشيخ أن يتخطاه، فاضطجعت له فمر على ظهري، ثم قمت فأخذت بيده فدفعنا إلى منزل الحسن، فطرقت الباب، فخرجت جارية فقالت: مَن هذا؟ فقلت: هذا ميمون بن مهران أراد لقاء الحسن، فقالت: ميمون بن مهران كاتب عمر بن عبد العزيز؟ قلت لها: نعم. قالت: يا شقي؛ ما أبقاك إلى هذا الزمان السوء؟ فبكى الشيخ فسمع الحسن بكاءه فخرج إليه فاعتنقا، ثم دخلا، فقال ميمون: يا أبا سعيد؛ إني قد آنستُ من قلبي غلظة، فَاسْتَلِنْ لي ( يعني صِف لي شيئًا يليِّن قلبي)، فقرأ الحسن: بسم الله الرحمن الرحيم: \"أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) سورة الشعراء، قال عمرو: فسقط الشيخ فرأيته يفحص برجله ما تفحص الشاة المذبوحة، فأقام طويلاً ثم أفاق (يعني أغمي عليه ثم أفاق )، فجاءت الجارية فقالت: قد أتعبتم الشيخ ( تعني الحسن )؛ قوموا تفرقوا، فأخذتُ بيد أبي فخرجتُ به، ثم قلت له: يا أبتاه؛ هذا الحسن قد كنت أحسب أنه أكثر من هذا، قال: فوكز أبي في صدري وقال: يا بني، لقد قرأ علينا آية لو تَفهمتَها بقلبك لأُلفِيَ لصافيه كلوم (أي جروح)، يعني: لو تدبرت هذه الآية وفهمتها لشقت كبدك وجرحت قلبك. انظر : حلية الأولياء 4/83 , وتهذيب الكمال: 29-225.
فعليك أن تنشغِّل بقلبك، وتتفقده في كل وقت لأنه سريع التقلُّب .. واحرص على أن تجعله يتقلَّب إلى الجانب المُشرق المُنير، وليس إلى الجانب المُظلِّم.

السبت، 22 سبتمبر 2018

إلى من ضاقت به الدنيا


بسم الله الرحمان الرحيم 

          
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته



 إلى من ضاقت به الدنيا بما رحبت .. إلى من أثقلته نفسه بما حملت .. إلى من استأجرت نفسه الغموم و سكنت قلبه الهموم .. إلى كل مهموم ومحزن ومحروم ..
إلى كل بحث عن الفرج ولم يجده .. إلى من طرق باب السعادة ولم يفتح له .. إلى من بحث عن مفتاح السعادة ولم يجده .. أهديه هذه المفاتيح لباب السعادة الحقيقية ..







المفتاح (1) : اجعل شعارك عند وقوع البلاء ( إنا لله وإنا إليه راجعون )



فاعلم بأن هناك سر وراء بلائك .. فالبلاء لابد منه في الحياة .. للغني والفقير .. الرجل والمرأة .. المالك والمملوك .. الأنبياء والمرسلون .. ولكن يختلف هذا البلاء في درجاته .. قال تعالى : (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ) .. البلاء لابد منه .. فلا تحزن .. و اعلم بأن وراء كل ابتلاء امتحان من الله سبحانه وتعالى لك .. ولتحاول اجتياز هذا الامتحان ..



المفتاح (2) : ( إذا أحب الله قوماً ابتلاهم )
)


اعلم بأن الله يحبك .. فابتلاك لتعرف حقيقة الدنيا وبأنها دار زوال ولتشتاق للجنة دار القرار وهذا من حبه لك .. ابتلاك حتى يذكرك بنعمته عليك فترجع له وتشكره وهذا من حبه لك .. ابتلاك لتصبر فيرفع درجتك ويكفر عنك خطيئتك وهذا من نعمه عليك .. ابتلاك حتى تفيق من معصيتك وتعود له تائبا شاكياً مشتاقاً لعفوه ورحمته وهذا من حبه لك ..



المفتاح (3) : ( إن مع العسر يسرا )



اعلم بأنه مهما طال الليل لابد من الفجر .. و أن مع العسر يسر .. و أن ما يحدث لك قضاء وقدر .. فارض بما كتبه الله لك وتوكل عليه ..



المفتاح (4) : الجأ إلى الله شاكياً باكياً ساجداً



إذا ضاقت بك الدنيا بما رحبت .. وضاقت نفسك بما حملت .. واشتدد عليك همك و أثقلك غمك .. فقل يا رب .. يا رب .. يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث .. الجأ إلى الله .. خالقك .. رازقك .. فاطلب العفو والرحمة والفرج منه و اعلم بأنه وحده سبحانه وتعالى من يملك زمام أمرك وسعادتك .. ولو كان الناس يملكون سعادتك لما بقي مهموم ولا محروم على وجه الأرض ..



المفتاح (5) : رطب لسانك بذكر الله و أكثر من الاستغفار وتلاوة القرآن



قال تعالى : (فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون ) .. فاذكر الله يذكرك .. رطب لسانك بذكر الله .. ( سبحان الله .. والحمد لله .. ولا إله إلا الله .. والله أكبر ) .. ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) .. و أكثر الاستغفار وتلذذ بحلاوته .. وأكثر من تلاوة القرآن ففيه شفاء لهمك وبه ينجلي غمك .. قال تعالى : (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ) ..



المفتاح (6) : الدعـــــــــــــــــــــــاء



قال تعالى : ( أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ) .. فاقصد الله بالدعاء وانقطع عمن سواه .. واطرق بابه لائذاً بحماه .. ملتمساً عفوه وراجياً رحمته .. واتجه بقلبك و دموعك إليه عز وجل بحرارة الدعاء ورقة المناجاة .. طالباً الفرج .. ( اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن و أعوذ بك من العجز والكسل و أعوذ بك من الجبن والبخل و أعوذ بك من غلبة الدين و قهر الرجال ) .. فبالدعاء قد يفرج همك وينجلي غملك ويزول حزنك وتنال سعادتك .. والدعاء يرفع البلاء ..



المفتاح (7) : تذكر نعم الله عليك



قال تعالى : (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم ) .. فتأمل في نعم الله عليك .. لم الحزن ؟؟!! وأنت صحيح معافى وغيرك على الأسرة البيضاء أعوام .. لم الحزن ؟؟!! وأنت لك عينان ترى بهما و أذنان تسمع بهما من حولك و لسان تنطق به ما تريد وغيرك أعمى و أصم وأبكم .. لم الحزن ؟؟ !! وأنت لك الولد والزوجة وغيرك محروم ..لم الحزن وقد من الله عليك بالأمن والسلام وغيرك لا يعرف غير الحرب والانتقام .. لم الحزن ؟؟!! وأنت مسلم أكرمك الله بالإسلام وما فيه من قيم وشمائل و غيرك يتخبط بين الديانات يبحث عن ما يسعده .. فاحمد الله واشكره على نعمه عليك واسعد بهذه النعم العظيمة ..



المفتاح (8) : الصبــــــــــــــــــــــــر



قال عز وجل : (و لنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) .. و عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما أعطي أحد عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر" .. و قال صلى الله عليه وسلم : "ما يصيب المسلم من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفّر بها من خطاياه".. فاصبر أخي فإن في بلائك هذا خير لك وتكفير لذنوبك ..



المفتاح (9) : الصـــــــــــــــــــــــلاة



فالسعيد هو من عرف أن الصلاة هي الصلة بين العبد وربه .. فقام الليل خاشعاَ باكياَ .. وبداَ يومه بصلاة الفجر وحافظ على صلواته الخمس .. فالصلاة هي التي تمنحك القوة لمواجهة الصعاب وتخطي الشدائد .. قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة .. ) ..



المفتاح (10) : التوبــــــــــــــــــــــة



قال تعالى : ( إن الله يحب التوابين ) .. و أنس بن مالك الأنصاري خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة , فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها , فاتى شجرة فاضطجع في ظلها وقد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح , اللهم أنت عبدي وأنا ربك , أخطأ من شدة الفرح )) .. فلا تحزن أخي فالله يحبك فابتلاك لتعود إليه تائبأَ منيباَ ..



المفتاح (11) : اشغل وقتك بما ينفعك



فاعلم بان الفراغ يولد الرذيلة .. والرذيلة هي سبب الهم والغم .. فاشغل وقتك بما ينفعك من عمل تجده في ميزانك يوم القيامة .. فانكب على طلب العلم النافع والتفقه في دينك .. واكثر من عمل الخير كالصدقة وكفالة اليتيم .. أكثر من الصلاة والصيام .. اقرأ كتاباً نافعاً .. فانغمس في العمل واستثمر وقتك بما ينفعك ولا تترك مجالاً للفراغ في حياتك ..



المفتاح (12) : عش يومك ولا تشغل نفسك بماضيك ومستقبلك



عش ويومك واجعل شعارك قول ابن عمر _ رضي الله عنه _ : ( إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح و إذا أصبحت قلا تنتظر المساء .. ) .. عش يومك وانس ماضيك بأحزانه وهمومه .. فتذكرك له لن يعيد ما فات ولن يحي ما مات .. فلا ترهق نفسك وتحطم قلبك .. بأحداث سلفت وأحزان ولت .. و لا تنشغل بغدك المجهول فهو في علم الغيب .. اطوي صفحات الماضي بأحزانه وهمومه وتجاهل ما يخبؤه لك المستقبل وتفاءل بالخير .. و عش حياتك يوماً بيوم تسعد ..



المفتاح (13) : ابتسم للحيــــــــــــــاة



ابتسم .. فالابتسامة تخفف من هموم قلبك و تزيل بعض أحزان نفسك .. فلا تخنق نفسك بالألم وامنح نفسك الأمل وابتسم .. فعندما تبتسم تمنح نفسك التفاؤل والسعادة.. انظر للحياة بعين الابتسامة تسعد ..








الثلاثاء، 30 يناير 2018

خصومنا الذين لا نعرفهم

بسم الله الرحمان الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته


(خصومنا الذين لا نعرفهم)

يقول الله تعالى في كتابه الحكيم:
( إنك ميت وإنهم ميتون ، ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ) صدق الله العظيم

تصور وأنت تحاسب يوم القيامة ، وبينما أنت بين يدي الله،،
يظهر لك خصوم،،
أنت لا تعرفهم ولم تراهم حتى، ويخاصمونك أمام الله ويأخذون من حسناتك وأنت في أشد الحاجة لحسنةٍ ترجح موازينك،، ليغفر الله لك بها .
هؤلاء الخصوم الذين لا نلقي لهم بالا بالدنيا.

فكم من شخص وأنت تقود سيارتك يعترضك بقصد أو بدون قصد،، فتشتمه وتمضي،، سمعك أم لم يسمعك،،
فقد سمعك الله تعالى وأصبح خصما لك يوم القيامة، وأنت لا تعرفه.

وكم مرة رأيت،، شخصا لا تعرفه في الشارع فعلقت أمام من معك على لبسه أو شكله أو هيئته أو تصرف قام به،،
وسجلت عليك غيبة لشخص،، سيكون خصيما لك يوم القيامة وأنت لا تعرفه.

وكم مرة تشاجرت مع شخص ما،، فشتمت، أمه أو أباه أو أهله،، ويكون هؤلاء كلهم
خصماء لك يوم القيامة، وأنت لا تعرفهم.

وكم مرة وأنت في حوار مع شخص ما،، وتحدثتم في أمور أحد البلدان، فقلت عنهم، مثلا:
الشعب الفلاني كذا، أو الشعب الفلاني كذا، أو الشعب كذا.. ولم يدر في بالك أنك ستقف خصمهم فردا فردا، لكل ذلك الشعب أمام الله يوم القيامة، بأن شملتهم،،بغيبتك أو بقذفك أو بشتمك، وأنت لا تعرفهم.

تصور أن يكون شعب كامل خصمك أمام الله يوم القيامة، لكلمةٍ لم تلق لها بالا.

يقول الله عز وجل :
( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ) الأنبياء/47

فأنظر رعاك الله كم خصيما،، سيأتي يوم القيامة؟
ليقتص منك، ويأخذ من حسناتك، ويرمي عليك من سيئاته؟

● فإن غضبت
وزل لسانك وشتمت احدا أو قذفتهفعاجل-بالإستغفار،، لك ثم له، وقل: " اللهم اغفر لي ولأخي" وادع له ولأهله، فإن الحسنات يذهبن السيئات، واستغفر وتب إلى الله تعالى.
اللهم-إغفر لي ولوالدي، ولمن لهم حق علي، وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، اﻷحياء منهم واﻷموات.

راقت لي  

لماذا أحزن

بسم الله الرحمان الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

لماذا أحزن؟
وبين كل دقيقه ودقيقه فرج من رب السماء

لماذا أحزن؟
ورزقي مكتوب وعمري محسوب وأجلي لاأعلم متى سيكون

لماذا أحزن؟
وربي أرحم بي من الأم بالمولود

لماذا أحزن؟
وإذا أستغفرت يرزقني ربي وتنجلي كل الهموم

لماذا أحزن؟
وربي إذا أراد شي قال له كن فيكون

لماذا أحزن؟
وثقتي بربي ليس لها مثيل

لماذا أحزن؟
وتفاؤلي وإبتسامتي أجمل من الحزن بكثير

اذا "إنكسرت "
إسجد لله وقل يا جبار أجبرني

وإن "إنظلمت"
أسجد بينَ يديهّ وقلّ يا عادل أنصرني

وإن "إحترت"
إسجد لله وقلّ يا بصير أرشدني

وإذا "إحتجت"
إسجد لله وقل يا مجّيب أجبنيَ

واذا أراد قَلبك الحٌبَ
لن تجد أحداً جديراً به سوى الله

وإن إشتقت لـ [حنانَ]
لن تجد أحن مَن حضِن الأرض وأنت (سَاجداً لِله)

وإن ضاقت بك الدنيا ولم تجد صَآحب فـإعلم أن الله أقرب إليك مَما تتخيلِ

ثلاث لا بد ان تستقر في ذهنك:

لا نجاة من الموت!
ولا راحة في الدنيا!
ولا سلامة من كلام الناس!

يقول آحد الصالحين:
إذا ضاقت في وجهي الدنيا قرأت صفحات من القرآن وما هي إلا أيام ويفتح الله لي من حيث لا أحتسب رزقاً، وُعلماً، وُفهما.

عندما نتأمل بداية سورة طه في قوله تعالى:

(طه * ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) نعرف أن القرآن سبب للسعادة والبعد عن الشقاء، ولو تأملنا نهاية نفس السورة عند قوله تعالى:
(ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا) نعرف أن من أهم أسباب الضنك والضيق والكآبة هو البعد عن كتاب الله وذكره

اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء أحزاننا وذهاب همومنا..

تأملوها يرحمكم الله

ما اجمل (الفجر)
(فريضته) تجعلك في ذمة الله و (سنته) خير من الدنيا وما فيها وتجتمع فيه ملائكة الليل والنهار

"إن قرآن الفجر كان مشهودا
"جاذبية القرآن"

الذين يعيشون مع القرآن تلاوة وحفظاً ينفردون بخاصية رائعة، فهم كلما استمالتهم الدنيا جذبهم القرآن إليه بلطف فعادوا تائبين.

كم من الهموم انفرجت بسبب ركعة وكم من الامراض شُفِيَت بسبب دعوة وكم من أمور تيسرت بسبب دمعة.. بثوا شكواكم لخالقكم فإنه يجيب دعوة المضطرين.

عبارة هزتني كثيرا
نحن في امتحان، وفي أي لحظة قد يتم سحب ورقتك وينتهي وقتك الذي خصصه الله لك ، فضلا ركز في ورقتك واترك ورقة غيرك..

نصيحة ثمينة أثث قـبرك بأجـمل الأثاث:
(1) الصلاة
(2) الصدقة
(3) القرآن

نسألكم الدعاء أحبتي لاتنسونا من دعائكم الصالح ولجميع المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات يآرب ياكريم 

الخميس، 30 نوفمبر 2017

وقفة .. مع المحتفلين بيوم 12 ربيع الأول

بسم الله الرحمان الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

 وقفة .. مع المحتفلين بيوم 12 ربيع الأول

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين ، أما بعد : فهذه وقفات مع المحتفلين بميلاد خير البشر صلى الله عليه وآله وسلم ، أسأل الله أن ينفع بها :

الوقفة الأولى
لقد أمر الله نبيّه صلى الله عليه وسلم باتباع الشريعة الربانية ، وعدم اتباع الهوى ، قال تعالى : ( ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون ) ، فالعبادات كلها توقيفيّة ، بمعنى أنه لا مجال للرأي فيها ، بل لا بد أن يكون المشرّع لها هو الله سبحانه وتعالى ، ولذلك أمر الله نبيّه في أكثر من موضع باتباع الوحي : ( إن اتبع إلا ما يوحى إليّ ) ، وقد قرّر العلماء أنّ : العبادات مبنيةٌ على الاتباع لا الابتداع .

الوقفة الثانية
لقد امتنّ الله تعالى على عباده ببعثة الرّسول صلى الله عليه وسلم وليس بميلاده ، قال تعالى : ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) (آل عمران:164) .

الوقفة الثالثة
السلف الصالح لم يكونوا يزيدون من الأعمال في يوم ولادة النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الأيام ، ولو فعلوا لنقل إلينا ! ولا يخفى لأنهم أشدّ الناس حبًّا وتعظيمًا واتباعًا .
قال العلامة / أبي عبد الله محمد الحفار المالكي : ( ألا ترى أنّ يوم الجمعة خير يومٍ طلعت عليه الشمس ، وأفضل ما يفعل في اليوم الفاضل صومه ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الجمعة مع عظيم فضله ، فدلّ هذا على أنه لا تحدث عبادة في زمان ولا في مكان إلا إذا شرعت ، وما لم يشرع لا يفعل ، إذ لا يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما أتى به أولها ... والخير كله في اتّباع السلف الصالح ) المعيار المعرب 7 / 99 .

الوقفة الرابعة
انظر إلى فقه الفاروق عمر بن الخطاب حين أرَّخ بهجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم رمز انتصار دينه ، ولم يؤرّخ بمولده ووفاته ، أتدري لماذا ؟ تقديماً للحقائق والمعاني على الطقوس والأشكال والمباني !!

الوقفة الخامسة
إن أوّل من أحدث بدعة المولد : الخلفاء الفاطميون بالقرن الرابع للهجرة بالقاهرة ، فقد ابتدعوا ستة موالد : المولد النبوي، ومولد الإمام علي وفاطمة والحسن والحسين ، ومولد الخليفة الحاضر ، وبقيت هذه الموالد على رسومها إلى أن أبطلها الأفضل ابن أمير الجيوش ، ثم أعيدت في خلافة الحاكم بأمر الله سنة 524هـ بعد ما كاد الناس ينسونها .
فعلى هذا لم تعرف الأمة هذا المولد قبل هذه الدولة ، فهل هي أهلٌ للاقتداء بها ؟ والغريب أنّه وصل بالبعض ، تفضيل ليلة المولد النبوي على ليلة القدر !!

الوقفة السادسة
اختلف المؤرخون وأهل السير في الشهر الذي ولد فيه النبي صلى الله عليه وسلم ، فقيل : ولد في شهر رمضان ، والجمهور : على أنه ولد في ربيع الأول ، ثم اختلف هؤلاء في تحديد تاريخ يوم مولده على أقوال :

فقيل : اليوم الثاني من ربيع الأول قاله ابن عبد البرّ ، وقيل : اليوم الثامن ، صححه ابن حزم ، وهو اختيار أكثر أهل الحديث ، وقيل : اليوم التاسع ، وهذا ما رجّحه أبو الحسن الندوي ، وزاهد الكوثري ، وقيل : اليوم العاشر ، اختاره الباقر ، وقيل : اليوم الثاني عشر ، نصّ عليه ابن إسحاق ، وقيل : السابع عشر من ربيع الأول ، وقيل : الثامن عشر من ربيع الأول ...

وهذا إن دلّ على شيء فهو يدلّ على عدم حرص الصحابة على نقل تاريخ مولده صلى الله عليه وسلم إلينا ، فلو كان في ذلك اليوم عبادة ، لكانت معلومة مشهورة لا يقع فيها خلاف ، ولنقل إلينا مولده على وجه الدقّة .

قال الشيخ القرضاوي : ( إذا نظرنا إلى هذا الموضوع من الناحية التاريخية : نجد أنّ الصحابة رضوان الله عليهم،لم يحتفلوا بذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا بذكرى إسراءه ومعراجه أو هجرته ، بل الواقع أنهم لم يكونوا يبحثون عن تواريخ هذه الأشياء ! فهم اختلفوا في يوم مولد النبي صلى الله عليه و سلم ، فإن اشتهر أنه الثاني عشر من ربيع الأول ، لكن البعض يقول : لا ، الأصح اليوم التاسع من ربيع الأول وليس يوم الثاني عشر ، وذلك لأنه لا يترتب عليه عبادة أو عمل ، ليس هنالك قيام في تلك الليلة ولا صيام في ذلك اليوم ، فلذلك المعروف أنّ الصحابة والتابعين والقرون الأولى وهي خير قرون هذه الأمة لم تحتفل بهذه الذكريات ! بعد ذلك حدثت بعد عدة قرون بدأت هذه الأشياء .. ) .

ولمراعاة هذا الخلاف ، كان صاحب إربل يحتفل بالمولد ، سنةً في ثامن شهر ربيع الأول ، وسنة ً في ثاني عشرة !!! ( انظر ابن خلكان 1 / 437 ) .

الوقفة السابعة
إنّ التاريخ الذي ولد فيه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، هو بعينه التاريخ الذي توفي فيه ! : ( يوم الاثنين 12 ربيع الأول ) ، فليس الفرح فيه بأولى من الحزن فيه ، نبّه على ذلك غير واحد من أهل العلم ، منهم ابن الحاج المالكي ، والإمام الفاكهاني .
قال ابن الحاج المالكي : ( العجب العجيب : كيف يعملون المولد بالمغاني والفرح والسرور كما تقدّم ، لأجل مولده صلى الله عليه وسلم كما تقدّم في هذا الشهر الكريم ؟ وهو صلى الله عليه وسلم فيه انتقل إلى كرامة ربه عزّ وجل ، وفجعت الأمة وأصيبت بمصابٍ عظيم ، لا يعدل ذلك غيرها من المصائب أبدًا ، فعلى هذا كان يتعيّن البكاء والحزن الكثير ... فانظر في هذا الشهر الكريم ـ والحالة هذه ـ كيف يلعبون فيه ويرقصون ) المدخل 2 / 16 .

الوقفة الثامنة
من الملاحظ أنّ انتشار الاحتفال بالمولد النبوي بين المسلمين ، كان في البلاد التي جاور فيها المسلمون النصارى ، كما في الشام ومصر .. فالنصارى كانوا يحتفلون بعيد ميلاد المسيح في يوم مولده ، وميلاد أفراد أسرته ، فكان ذلك سببًا في سرعة انتشار تلك البدعة بين المسلمين تقليدًا للنصارى .
حتى قال الحافظ السخاوي مؤيدًا الاحتفال بالمولد : ( وإذا كان أهل الصليب اتّخذوا ليلة مولد نبيّهم عيدًا أكبر ، فأهل الإسلام أولى بالتكريم وأجدر ) !! وقد تعقّبه الملا علي القاري : ( قلت : ممّا يردّ عليه أنّا مأمورون بمخالفة أهل الكتاب ) المورد الروي في المولد النبوي / 29 .

الوقفة التاسعة
إنّ محبة الرسول صلى الله عليه وسلم ، لا تتحقّق بالاحتفال بمولده ، وإنّما تتحقّق بالعمل بسنّته ، وتقديم قوله على كل قول ، وعدم ردّ شيء من أحاديثه ، ولنعلم أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد وسعهم دين الله من غير احتفالٍ بمولده ، إذًا فليسعنا ما وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه .

والفرح بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم ، لا يمكن أن يقتصر على يومٍ واحدٍ ، بل بكل لحظة من لحظات حياة المسلم ، بالتزام أوامره واجتناب نواهيه ، والخضوع لكل ما جاء به من عند الله تعالى ، فلا تقف الفرحة أمام يومٍ واحدٍ ، بل نجعل لنا من كل يومٍ جديدٍ ، التزامًا أكثر بالسنة ، ، لنحوّل ضعفنا إلى قوةٍ ، ونرسي في أنفسنا قواعدَ عقيدتنا ، ومبادئ الإسلام العظيم .

الوقفة العاشرة
قال النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا عبدالله ورسوله ) البخاري .
أكثر تلك الموالد فيها إطراءٌ ومبالغة في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم ، والغريب أنّه حتى المؤيدين للموالد ، قد أقرّوا بوجود الغلو الذي يصل إلى درجة الكفر !! خاصةً عندما تجرّأ البعض على تأليف كتب عن المولد النبوي ، ثم وضع الأحاديث على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ! تأييدًا لذلك يقول عبد الله الغماري ـ أحد كبار الصوفية المعاصرين ـ :

( .. وكتب المولد النبوي ملأى بهذه الموضوعات ، وأصبحت عقيدةً راسخة في أذهان العامة ، وأرجوا أن يوفّقني الله إلى تأليفٍ حول المولد النبوي ، خالٍ من أمرين اثنين : الأحاديث المكذوبة ، والسّجع المتكلّف المرذول ... والمقصود أنّ الغلو في المدح مذمومٌ لقوله تعالى : " لا تغلوا في دينكم " ، وأيضًا فإنّ مادح النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأمر لم يثبت عنه ، يكون كاذبًا عليه ، فيدخل في وعيد : " من كذب عليّ متعمّدًا فليتبوّأ مقعده من النار " .
وليست الفضائل النبويّة مما يتساهل فيها برواية الضعيف ونحوه ، لتعلقها بصاحب الشريعة ونبي الأمة ، الذي حرّم الكذب عليه وجعله من الكبائر ، حتى قال أبو محمّد الجويني والد إمام الحرمين بكفرِ الكاذب عليه صلى الله عليه وسلم .
وعلى هذا فما يوجد في كتب المولد النبوي وقصة المعراج من مبالغات وغلوٍ لا أساس له من الواقع : يجب أن تُحرق ، لئلا يُحرق أصحابها وقارئوها في نار جهنّم ، نسأل الله السلامة والعافية ) من نقده لبردة البوصيري ص 75.
وقد جرت العادة في الموالد أن تختم بالعبارات البدعية والتوسلات الشركيّة ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

الوقفة الحادية عشرة
ما يدور في الموالد من المفاسد ، لا تخفى على مسلم ، من أهمها :
أنّ المحتفلين بالمولد يرمون المخالفين ـ وللأسف ـ بعدم محبة الرسول صلى الله عليه وسلم !! متناسين بأنّ التعظيم والمحبة تكون بالاتباع لا الابتداع ، وكذلك : ما يجري داخل الموالد من إطفاء الأنوار وهزّ الرؤس وتمايل الأكتاف و .. ناهيك عن الأذكار المكذوبة والقصص الموهومة ، ويقول الشيخ علي محفوظ الأزهري : ( فيها إسراف وتبذير للأموال ، وإضاعة للأوقات فيما لا فائدة منه ولا خير فيه ) الإبداع / 324 ، والقواعد الشرعية تقضي بأنّ المباح ـ وهذا على فرض أنه مباح ـ إذا أدّى إلى محرّم : فإنّه يحرم من باب سدّ الذرائع ، فكيف وهو يحوي على المنكرات !!

الوقفة الثانية عشرة
وقد أجمع المسلمون على بدعية الاحتفال بالمولد النبوي ، لكنهم اختلفوا في حسنه وقبحه ، فذهب البعض منهم إلى أنه بدعة حسنة : كابن حجر والسيوطي والسخاوي .. وغيرهم ، نظرا للمصلحة التي ظنوا حصولها !!
لكن العلماء المحقّقين ، المتقدّمين منهم والمتأخرين ، أفتوا بحرمة الاحتفال بالمولد ، عملاً بالأدلة الشرعية التي تحذّر من البدع في الدين ، والأعياد والاحتفالات من أمور الشريعة ، ووقفوا أمام فتح باب شر متيقّن لخيرٍ موهوم ؟ ثم ما وعاء هذا الخير المزعوم ، عملٌ لم يفعله الرسول ولا صحابته ولا التابعون لهم بإحسان قروناً طويلة !! علمًا بأن الرسول صلى الله عليه وسلم ، لم يفرّق بين بدعة حسنة وأخرى سيئة ، بل قال : ( كل بدعة ضلالة ) !
قال الإمام مالك : ( من ابتدع في الإسلام بدعةً يراها حسنة ، فقد زعم أنّ محمدًا صلى الله عليه وسلم خان الرسالة !! لأن الله يقول : " اليوم أكملت لكم دينكم " ، فما لم يكن يومئذٍ دينًا فلا يكون اليوم دينًا ) الاعتصام للشاطبي .

بعض العلماء الذين أفتوا ببدعية الاحتفال بالمولد النبوي :
الإمام الشاطبي قال ببدعية المولد النبوي ؟ فقد ذكر بعض أنواع البدع في أول كتابه الاعتصام (1/34) ، وعدّ منها اتخاذ يوم ولادة النبي صلى الله عليه وسلم عيداً، وذمّ ذلك .
الإمام الفاكهاني قال ببدعية المولد النبوي ، في رسالته المفردة / 8-9 .
والعلامة ابن الحاج المالكي في المدخل قال ببدعية المولد النبوي (2/11-12) .
وعلامة الهند أبو الطيب شمس الحق العظيم آبادي قال ببدعية المولد النبوي ، وكذلك شيخه العلامة بشير الدين قنوجي الذي ألف كتاباً سماه " غاية الكلام في إبطال عمل المولد والقيام " ( انظر تعليقه على حديث : " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " في سنن الدارقطني ) .

الشيخ العلامة / أبي عبد الله محمد الحفار المالكي ـ من علماء المغرب العربي ـ : ( ليلة المولد لم يكن السلف الصالح ـ وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم ـ يجتمعون فيها للعبادة ، ولا يفعلون فيها زيادة على سائر ليالي السنة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ، لا يعظّم إلا بالوجه الذي شرع تعظيمه ، وتعظيمه من أعظم القرب إلى الله ، لكن يتقرّب إلى الله جل جلاله بما شرع .. ) المعيار المعرب 7 / 99 .

الشيخ العلامة / محمد صالح العثيمين : ( يقيمونها لأنهم كما يقولون يحبون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويريدون إحياء ذكرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونحن نقول لهم : مرحباً بكم إذا أحببتم النبي صلى الله عليه وسلم ، ومرحباً بكم إذا أردتم إحياء ذكرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن !! هناك ميزان وضعه أحكم الحاكمين وإله العالمين ، هناك ميزان للمحبة ألا وهو قول الله تعالى : " قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ " .

فإذا كان الإنسان صادقاً في دعوى محبة الله ورسوله ، فليكن متبعاً لشريعة الله متبعاً لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن لم يكن متبعاً له فإنه كاذب في دعواه ، لأن هذا الميزان ميزان صدق وعدل ، إذن فلننظر هل إحداث احتفال بليلة مولد الرسول صلى الله عليه وسلم هل هو من شريعة الله ؟ هل فعله النبي صلى الله عليه وسلم ؟ هل فعله الخلفاء الراشدون ؟ هل فعله الصحابة هل فعله التابعون لهم بإحسان هل فعله أتباع التابعين ؟ إن الجواب على كل هذه التساؤلات بالنفي المحض القاطع ، ومن ادعى خلاف ذلك فليأت به : " هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ " ) موقع الشيخ .

الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي : ( ... وقالوا إن الذي ابتدع هذه الموالد وهذه الأشياء الفاطميون في مصر ، ومن مصر انتقل إلى بلاد أخرى ، وربما كان وراء ذلك أهداف سياسية معينة ! أنهم يريدون أن يشغلوا الجماهير والشعوب بهذه الموالد وهذه الاحتفالات ! حتى لا يبحث الناس في أمور السياسة ولا في أمور القضايا العامة إلى آخره ! ولذلك إذا نظرنا إلى الأمر باعتباره عبادة نقول : أنه لم ترد هذه العبادة ولم تصح ) !! قناة الجزيرة .

الشيخ محمد الغزالي أفتى ببدعية المولد النبوي ، في كتابه ليس من الإسلام / 252 :
( والتقرب إلى الله بإقامة هذه الموالد عبادة لا أصل لها ... ومن ثمّ فنحن نميل إلى تعميم الحكم على هذه الموالد جميعاً ووصفها بأنها مبتدعات تُرفض ولا يُعتذر لها ... إن إلغاء الموالد ضرورةٌ دينيةٌ ودنيويةٌ ... وهكذا انتظم الاحتفال بليلة المولد النبوي، وليلة الإسراء والمعراج ، وليلة النصف من شبعان ، وليلة القدر، ورأس السنة الهجرية .
وقد حددت لهذه الاحتفالات تواريخ كيفما اتفق ، وجُعل البذل فيها من مظاهر التديّن !! وأحياها العوام والخواص بمزيد من الكلام والطعام ، وهكذا تكون نصرة الإسلام !! ) .

وفي الختام
وختامًا أسأل الله أن يأذنَ لهذه الورقات بالقبول عنده ، وأن يُنْتفع بها ، فإن المُنية الانتفاعُ بها ، وليس وراء القبول مُبْتغى، ولا سواه مُرْتَجى ، فاللهم إن مفزعَنَا إليك لا إلى غيرك، فثبت أقدامنا على الحق ، وبصَّرنا بأنفسنا ، ولا تجعل من عملنا لأحدٍ سواك شيئاً، والله الهادي إلى سواء السبيل ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .